أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤٤٢ - الكلام في الترتّب
الأمر بالأهمّ، و لكنّها موجودة بينهما في مرحلة الأمر بالمهمّ، بداهة أنّ فعليّة الأمر بالأهمّ باقية على قوّتها و لا تسقط بإرادة العصيان.
إن قلت: الأمر بالأهمّ و إن كان فعليّاً بعد، و لكن لا يمنع عن الأمر بالمهمّ إذا كان ترك الأهمّ ناشئاً عن سوء اختيار المكلّف كما في ما نحن فيه، فهو بسوء اختياره أوجب الجمع بين الأمر بالضدّين.
قلنا: الجمع بين الضدّين محال و لا يمكن صدور الأمر به من جانب المولى الحكيم، و لا فرق فيه بين سوء اختيار المكلّف و حسن اختياره كما لا يخفى.
إن قلت: إنّ المزاحمة و المضادّة موجودة بين الأمرين المتعلّقين بضدّين إذا كانا في عرض واحد لا ما إذا كان أحدهما في طول الآخر، لأنّ الأمر بالمهمّ حينئذٍ يكون متوقّفاً على إرادة عصيان الأمر بالأهمّ.
قلنا: المفروض أنّ كلّ واحد من الأمر بالأهمّ و الأمر بالمهمّ فعلي حتّى بعد إرادة عصيان الأهمّ، و معه كيف ترتفع المضادّة؟ و بعبارة اخرى: المزاحمة و المطاردة و إن لم تكن موجودة في مرتبة المهمّ، بالنسبة إلى الأهمّ و لكنّها موجودة من جانب الأهمّ بالنسبة إلى المهمّ و المزاحمة من جانب واحد أيضاً محال.
و اجيب عن الوجه الثاني بتوجيه الأمر بالمهمّ بأمرين:
الأمر الأوّل: أنّ المولى قطع نظره و رفع يده عن الأمر بالأهمّ بعد عصيان العبد و بدّله بالأمر المهمّ.
الأمر الثاني: أنّ أمر المولى بالمهمّ ليس مولويّاً بل إنّه إرشاد إلى بقاء محبوبيته و ملاكه.
و لكن الإنصاف عدم تماميّة الجواب في كلا الوجهين، أمّا الأوّل فلأنّ المستحيل إنّما هو الجمع بين الأهمّ و المهمّ في مقام الامتثال لا في مقام الإنشاء، و في ما نحن فيه لم يجمع المولى بين طلب الأهمّ و طلب المهمّ في مقام الامتثال.
توضيح ذلك: أنّ للحكم مراتب أربعة:
١- مرتبة المصلحة و الاستعداد و الاقتضاء.
٢- مرحلة الإنشاء من قبيل تصويب القانون في مجالس التقنين في يومنا هذا.
٣- مرحلة الفعليّة و الابلاغ و هي مرحلة التنجيز أيضاً.