أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٤١ - المسألة الثالثة في موضوع علم الاصول
كذلك تمايز العلوم و اختلاف بعضها يكون بذاتها فقضايا كلّ علم مختلفة و متميّزة بذواتها عن قضايا علم آخر» [١].
أقول: الإنصاف أنّ جميع هذه الأقوال لا يخلو من الإشكال، و الأولى أن يقال: إنّ تمايز العلوم كوحدتها قد يكون بالموضوعات و اخرى بالمحمولات و ثالثة بالأغراض و ذلك لما مرّ في البحث عن ملاك الوحدة من تحليل تاريخي لتدوين العلوم و تأليفها، فقد ذكرنا فيه أنّ ملاك وضع كلّ علم على حدة و تمييزه عن سائر العلوم هو وجود التناسب و التناسخ بين مسائله و دخولها تحت عنوان جامع، و لا إشكال في أنّ تناسب المسائل قد يكون بوحدة الموضوع و اخرى بوحدة المحمول و ثالثة بوحدة الغرض فليكن التمايز أيضاً كذلك كما لا يخفى.
و أمّا مقالة المشهور فلا يتصوّر لها دليل إلّا توهّم احتياج كلّ علم إلى موضوع لقاعدة الواحد، و قد مرّت المناقشة فيها. و منه يظهر إشكال القول الثالث حيث إنّه مبني على قبول أن يكون تمايز العلوم بتمايز الموضوعات.
و أمّا ما ذهب إليه المحقّق الخراساني (رحمه الله) فيرد على دليله الثاني أنّ تداخل علمين في عدّة من مسائلهما لا يضرّ بتمايز أحدهما عن الآخر إذا كانت النسبة بين مسائلهما العموم من وجه، لأنّ التمايز حينئذٍ يحصل بموضع الافتراق كما لا يخفى.
كما يرد على دليله الأوّل أنّ القائل بكون التمايز بالموضوعات يدّعي أنّ تمايز العلوم يكون بتمايز الموضوعات لا العكس (و هو أنّ كلّ متمايز بموضوعه يكون علماً على حدة).
و أمّا ما أفاده في تهذيب الاصول فيرد عليه أنّ ذوات العلوم ليست أمراً خارجاً عن مسائلها لأنّه لا ريب في أنّ مسائلها عبارة عن القضايا المبحوثة عنها فيها، و القضايا ليست أمراً وراء الموضوعات و المحمولات و النسب بينهما، فذوات العلوم عين موضوعاتها و محمولاتها و نسبها، فلا بدّ أن يكون التمايز بأحد هذه الامور أو بالأغراض.
المسألة الثالثة: في موضوع علم الاصول
و هو عند جماعة من الأصحاب (منهم صاحب القوانين) الأدلّة الأربعة، و الظاهر من
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٤، من الطبع القديم.