أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٩٠ - الأمر الرابع الكلام في الطهارات الثلاث
و أمّا الإشكال الثالث، أي إشكال الدور.
ففيه: إنّا نسلّم كون عباديّة الطهارات متوقّفة على قصد الأمر، و لكن توقّف قصد الأمر على عباديّة الطهارات إنّما يوجب الدور فيما إذا كان المتوقّف عليه عباديتها في الرتبة السابقة على الأمر أو المقارنة معه، مع أنّه عبارة عن اجتماع شرائط العبادة حين الامتثال، أي إن تعلّق أمر المولى بها لا يحتاج إلى كونها عبادة حين الأمر بل إنّه يأمر بها لاجتماع شرائط العبادة فيها حين الامتثال، و ذلك نظير توقّف الأمر على قدرة المكلّف على الفعل، فإنّه ليس معناه لزوم القدرة على الفعل حين الأمر بل تكفي قدرته حين الامتثال، فلو كان العاجز ممّن يقدر على العمل بعد أمر المولى و حين الامتثال كان للمولى أن يأمره. و لذلك قد يقال: إنّ القدرة شرط للامتثال لا للتكليف.
هذا كلّه بناءً على شرطيّة قصد الأمر في عباديّة العبادة، و أمّا بناءً على ما مرّ في مبحث التعبّدي و التوصّلي من أنّها ليست منوطة بقصد الأمر فالأمر أوضح و أسهل.
الوجه الثاني: ما أفاده الشّيخ الأعظم (رحمه الله) و تبعه المحقّق الخراساني (رحمه الله) و كثير من الأعاظم (و هو جيّد لا غبار عليه) و حاصله: أنّ الطهارات عبادات في أنفسها مستحبّات في حدّ ذاتها، فعباديتها لم تنشأ من ناحية الأمر حتّى يلزم الدور.
و لكن قد أورد عليه بوجوه أهمّها وجهان:
الأوّل: أنّ هذا تامّ في الوضوء و قد يقال به في الغسل أيضاً، و أمّا التيمّم فلم يقل أحد باستحبابه النفسي.
و يمكن الجواب عنه: بأنّه بعد أن لم يكن إجماع على عدم مطلوبيّة التيمّم ذاتاً يكفي في إثباتها له ما ورد في الرّوايات من «أنّ التراب أحد الطهورين» إذا انضمّ إلى ما يستفاد من إطلاقات الباب من أنّ المستحبّ إنّما هو الكون على الطهارة في نفسه.
توضيح ذلك: أنّه قد ذكرنا في محلّه في الفقه من أنّ معنى كون الوضوء مستحبّاً نفسيّاً ليس هو مطلوبيّة الغسلتان و المسحتان فيه، بل المطلوب ذاتاً إنّما هو الكون على الطهارة الذي يترتّب على الغسلتان و المسحتان، و يعدّ غاية للوضوء، و أنّه هو المقدّمة و الشرط للصّلاة في الحديث المعروف
«لا صلاة إلّا بطهور»
، و لا إشكال في أنّ مقتضى قوله ٧
«إنّ التراب أحد الطهورين»
أنّ وزان التيمّم هو وزان الوضوء و أنّ كلّ ما يترتّب على الوضوء يترتّب على