أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٨ - ملاك وحدة العلم
المحقّق الخراساني (رحمه الله)، و لتوضيح العوارض الذاتيّة نقول: إنّ المعروف في محلّه عند القدماء أنّ العوارض على قسمين: ذاتيّة و غير ذاتيّة (غريبة)، لأنّها إمّا أن تعرض للشيء بلا واسطة كالحرارة بالنسبة إلى النار، أو تعرضه بواسطة أمر داخلي و هو على قسمين: أمر داخلي مساوٍ للمعروض كعروض الإدراك على الإنسان بواسطة الناطقية، أو أمر داخلي أعمّ من المعروض كعروض الحركة على الإنسان بواسطة الحيوانيّة، (و لا يخفى أنّ الأمر الداخلي لا يمكن أن يكون مبايناً لمعروضه كما لا يمكن أن يكون أخصّ منه)، أو تعرّضه بواسطة أمر خارجي، و هو على أربعة أقسام: أمر خارجي مباين للمعروض كعروض الحرارة على الماء بواسطة النار، و أمر خارجي مساوٍ للمعروض كعروض الإدراك على الضاحك بواسطة الناطقية، و أمر خارجي أخصّ من المعروض كعروض الإدراك على الحيوان بواسطة الناطقية، و أمر خارجي أعمّ من المعروض كعروض المشي على الناطق بواسطة الحيوانيّة، فصارت الأقسام سبعة.
كما أنّ المعروف أنّ الأوّلين منها من العوارض الذاتيّة و هما العارض بلا واسطة و العارض بأمر داخلي مساوٍ، كما أنّه لا إشكال في كون الخامس و السابع منها (و هما العارض بواسطة الخارجي الأعمّ و العارض بأمر خارجي مباين) من العوارض الغريبة، و أمّا الثلاثة الباقية فقد وقعت معركة للبحث و الآراء و محلّ الكلام منها هو المنطق أو الفلسفة.
أقول: أوّلًا: ما الدليل على هذا التقسيم؟ و ما هو الملاك فيه؟ و ما المعيار في كون العرض ذاتياً أو غير ذاتي. فإن كان هناك مصطلح خاصّ فالأمر فيه سهل و لكن التفاوت الحقيقي بين العلوم لا يدور مداره، و إن كان أمراً وراءه فلا بدّ من بيانه.
و ثانياً: لا دليل على أنّ مصنّفي العلوم قصدوا من العوارض الذاتيّة المعنى المذكور.
هذا- و قد أجاد بعضهم حيث اتّخذ طريقاً آخر و ملاكاً جديداً للعرض الذاتي و العرض الغريب، فقال: الذاتي ما يعرض الشيء بلا واسطة في العروض، أي بدون الواسطة مطلقاً أو مع الواسطة في الثبوت (كعروض الحرارة على الماء بواسطة النار).
و المقصود من كون الواسطة واسطة في الثبوت إنّما هو العروض حقيقة فإنّ الماء يصير بواسطة النار حارّاً حقيقة لا مجازاً و عناية، فيكون من قبيل إسناد شيء إلى ما هو له الذي لا يصحّ سلبه عنه [١].
[١] و هذا التفسير للواسطة في الثبوت و العروض هو الذي ينبغي أن يكون مصطلحاً في الباب و إن كان يفارق ما اصطلح عليه القدماء في هذا المجال.