أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٧٩ - الثالث تقسيم الواجب إلى النفسي و الغيري
بها هو الإرادة و هي غير الطلب، و أمّا الطلب فالحقيقي منه عبارة عن التصدّي الخارجي نحو المطلوب، و الإنشائي منه إنّما هو بعث الغير و إغراؤه إلى المطلوب و لا إشكال في أنّ البعث إيجاد و الإيجاد أمر جزئي حقيقي لا يقبل الإطلاق و التقييد.
و الأولى في الجواب عن الإشكال أن يقال: إنّ الجزئي و إن استحال تقييده بعد تحقّقه في الخارج إلّا أنّه لا ريب في إمكان تقييده و تضييقه قبل الإيجاد من باب «ضيق فم الركيّة».
و أورد على التمسّك بالاطلاق ثانياً: بأنّ «المعاني الحرفيّة و إن كانت كلّية إلّا أنّها ملحوظة بتبع لحاظ متعلّقاتها أعني المعاني الاسمية لكونها قد اتّخذت آلة لملاحظة أحوال المعاني الاسمية، و ما كان هذا شأنه فهو دائماً مغفول عن ملاحظته بخصوصه، وعليه فكيف يعقل توجّه الإطلاق و التقييد إليه؟ لاستلزامه الالتفات إليه بخصوصه في حال كونه مغفولًا عنه بخصوصه و هذا خلف» [١].
و الجواب عنه واضح و ذلك لما مرّ في مبحث المعاني الحرفيّة من أنّ المعاني الحرفيّة تابعة للمعاني الاسمية في الوجود الذهني و الخارجي، و هو لا يلازم كونها مغفولًا عنها بل أنّها قد تصير ملحوظة و ملتفتاً إليها بتمام اللحاظ و التوجّه، نظير ما نقل عن المحقّق نصير الدين الطوسي (رحمه الله) حيثما حضر في محضر درس المحقّق (رحمه الله) صاحب الشرائع و أفتى المحقّق باستحباب التياسر في القبلة لأهل العراق فسأله المحقّق الطوسي (رحمه الله): التياسر من القبلة أو إلى القبلة؟
فأجاب المحقّق (رحمه الله) بقوله: «من القبلة إلى القبلة»، فلا مانع من إطلاق المعنى الحرفي و تقييده من هذه الناحية أيضاً.
هذا كلّه بالنسبة إلى الأصل اللّفظي، فقد تحصّل أنّ التمسّك بالاطلاق تامّ.
أمّا الأصل العملي فيما إذا لم يكن هناك إطلاق فيتصوّر له ثلاث صور:
الصورة الاولى: ما إذا شككنا في النفسيّة و الغيريّة قبل مجيء وقت ما يحتمل كون المشكوك مقدّمة له، كما إذا شككنا قبل الظهر في أنّ غسل الجنابة واجب نفسي أو غيري للصّلاة، فلا إشكال في أنّ الأصل في هذه الصورة إنّما هو البراءة، فإنّه إن كان غيريّاً لم يجب الإتيان به لعدم وجوب ذي المقدّمة فعلًا.
[١] حكاه في بدائع الأفكار: ج ١، ص ٣٧٣.