أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٦٠ - المختار في مسألة الواجب المشروط
توضيح ذلك: الإنسان تارة ينظر و يرى أنّ الشمس قد طلعت فيحكم بأنّ الشمس طالعة من غير شرط، و اخرى يكون الناظر في ظلمات الليل و لكن يفرض وجود الشمس ثمّ يحكم بوجود النهار في وعاء فرض وجود الشمس فيقول: «إن طلعت الشمس فالنهار موجودة»، و كذلك في الإنشائيات.
و بعبارة اخرى: إنّ للإنسان في أحكامه الإخباريّة و الإنشائيّة حالتين، فتارةً يكون مطلوبه في الإنشائيات أو ما يخبر عنه في الإخباريات موجوداً في عالم الخارج بالفعل، فيبعث إليه أو يخبر عنه من دون قيد و تعليق، و اخرى لا يكون موجوداً في الخارج فيفرض وجوده أوّلًا ثمّ يحكم عليه إخباراً أو إنشاءً.
إن قلت: على أيّ حال: هل وجد شيء في الخارج من ناحية حكمه أو لم يوجد؟
قلنا: قد وجد شيء في الخارج و لكن معلناً على فرض، نظير ما إذا كانت أُمّ تعيش في فراق ولدها فتتصوّر مجيء ولدها فتحنّ إليه و تسيل دموعها من شوق لقائه، فإنّ سيلان دمعها و بكائها أمر تكويني موجود في الخارج و لكن بعد فرضها و تصوّرها مجيء ولدها، و نظير ما إذا تصوّر المولى عطشه و اشتاقت نفسه بعد ذلك الفرض و التصوّر إلى الماء، فأمر عبده بقوله «إذا كنت عطشاناً فاسقني» فإشتياقه إلى الماء ثمّ بعثه إلى إتيان الماء وجد في الخارج و لكنه مترتّب على فرضه عطشه، فطلبه و بعثه متوقّف على هذا الفرض، و حيث إنّه فرض و لا وجود له في الخارج فعلًا فيمكن أن يقال بأنّه لا إيجاب و لا وجوب كما ذهب إليه المشهور.
و بعبارة اخرى: الوجوب وجد بالإيجاب و لكن متأخّراً عن فرض و معلّقاً على تقدير موجود في عالم الذهن و لا عالم الخارج، لأنّ المفروض أنّ الفرض ليس بإزائه شيء في الخارج حين الفرض.
و الحاصل: أنّ هذا الإيجاب موجود من جهة و غير موجود من جهة، فهو موجود بعد فرض وجود الشرط في افق الذهن و غير موجود من دون هذا الفرض.
بقي هنا شيء:
و هو أنّه قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ مآل القضايا الحقيقية إلى قضايا شرطيّة حيث إنّها صادقة حتّى مع عدم وجود ما أخذ بعنوان الموضوع فيها حين صدورها و جعلها، فقضيّة «النار