أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤٧ - الثاني تقسيمها إلى المقدّمة العقليّة و الشرعيّة و العاديّة
القول باتّصاف الأجزاء بالوجوب الغيري و القول بعدم اتّصافها به في مسألة دوران الأمر بين الأقلّ و الأكثر الارتباطيين بدعوى أنّه على القول الأوّل لا ينحلّ العلم الإجمالي بوجوب أحدهما بالعلم التفصيلي بوجوب الأقلّ، و ذلك لأنّ مناط الانحلال هو انطباق المعلوم بالإجمال على المعلوم بالتفصيل على كلّ تقدير، و بما أنّ في المقام لا ينطبق كذلك باعتبار أنّ المعلوم بالإجمال هو الوجوب النفسي، و المعلوم بالتفصيل هو الجامع بين الوجوب الغيري و النفسي، فلا انحلال في البين، و على القول الثاني ينحلّ إلى العلم التفصيلي بوجوب نفسي متعلّق بذات الأقلّ (و هي المركّب من تسعة أجزاء مثلًا) و الشكّ البدوي في اعتبار أمر زائد، و عندئذٍ فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن وجوب الزائد» [١].
أقول: إنّ الأجزاء واجبة بالوجوب النفسي الضمني سواء كانت متّصفة بالوجوب الغيري أيضاً أم لا، فتجري البراءة عن الأكثر على أيّ حال: و لا صلة لها باتّصاف القدر المتيقّن من الأجزاء بالوجوب الغيري و عدم اتّصافه.
و إن شئت قلت: الوجوب الضمني ثابت على أيّ حال: و هو السبب للانحلال، فوجود الوجوب الغيري و عدمه هنا سيّان.
هذا كلّه في التقسيم الأوّل للمقدّمة.
الثاني: تقسيمها إلى المقدّمة العقليّة و الشرعيّة و العاديّة
و العقليّة مثل العلّة بالنسبة إلى المعلول، و الشرعيّة مثل الوضوء بالنسبة إلى الصّلاة، و العاديّة كنصب السلّم للكون على السطح أو حفر البئر للوصول إلى الماء للوضوء و الغسل، و المهمّ في هذا التقسيم هو أن نعلم أنّ جميعها داخلة في محلّ النزاع أم لا؟ و أنّه هل يكون للتوقّف (أي توقّف ذي المقدّمة على المقدّمة) في جميع هذه الثلاثة معنى واحد، أو يكون له في كلّ واحدة منها معنى على حده؟
و الصحيح أنّ للتوقّف مفهوماً واحداً إلّا أنّ الكاشف عنه تارةً يكون هو العقل و اخرى الشرع و ثالثة العادة، كما أنّ الصحيح دخول جميعها في محلّ النزاع، و ذلك لأنّ المقدّمة الشرعيّة
[١] المحاضرات: ج ٢ ص ٣٠١.