أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣٤٠ - تنبيه الإجزاء و مسألة التصويب
يجعل حكم في الشريعة المقدّسة قبل تأدية نظر المجتهد إلى شيء و إنّما يدور جعله مدار نظره و رأيه فهو يبحث و يجتهد عمّا لا يكون إلّا تابعاً لنظره) أو التصويب المجمع على بطلانه (و هو المنسوب إلى المعتزلة، و حاصله أن يكون قيام الأمارة سبباً لتبدّل الحكم الواقعي إلى مؤدّاها لحصول مصلحة أو مفسدة في متعلّقه) لا دخل له بمسألة الإجزاء، لأنّ التصويب على كلّ حال هو إنكار الحكم الواقعي المشترك بين العالم و الجاهل، و القول بالإجزاء لا يستلزم هذا الانكار، بل لازمه القول بوجود الحكم الواقعي المشترك، و هذا الحكم باقٍ على مصالحه و مفاسده، أدّت إليه الأمارة أو لم تؤدّ، نعم لا يكون هذا الحكم فعليّاً في بعض الموارد، و هو ما إذا قامت الأمارة أو الاصول على خلافه، و انكشاف الخلاف فيما بعد لا يوجب فعليته بعد أن لم يكن فعليّاً حين العمل به.
و إن شئت قلت: المباني في مسألة الإجزاء مختلفة، أمّا على المختار فقد عرفت أنّ العمدة في الإجزاء هو عدم شمول الاجتهاد اللاحق للقضايا السابقة لعدم إطلاق في أدلّة حجّيتها، و أين هذا من مسألة التصويب.
و أمّا على مبنى صاحب الكفاية و من تبعه فلأنّهم يرون أن أدلّة بعض الاصول توجب التوسعة في مفاد أدلّة الشرائط و الأجزاء، و مع توسعة الحكم الواقعي يكون العمل مطابقاً له بلا زيادة و لا نقصان، و أين هذا من التصويب لأنّه ليس هنا إلّا حكم واحد قد عمل به المكلّف لا حكمان، أحدهما واقعي و الآخر ظاهري، بل الإنصاف أنّه لا دخل لهذا القول بمسألة الإجزاء في الأحكام الظاهريّة فإنّ الحكم هنا واقعي بعد توسعة مفاده.
نعم، لو قيل بالإجزاء من ناحية القول بالسببية- أي سببية قيام الأمارة لتحقّق المصلحة التي تفوق على مصلحة الواقع- كان بين المسألتين ربط قويّ، و لكن القول بالسببية بهذا المعنى مطروح ممنوع من ناحية المحقّقين من أصحابنا.
هذا بالنسبة إلى ربط المسألتين- مسألتي الإجزاء و التصويب- و أمّا الكلام في أصل مسألة التصويب و الأقوال الموجودة فيها و أقسامها و أدلّة القائلين بها و نقد آرائهم فسيأتي الكلام فيها مستوفاً إن شاء اللَّه في محلّه من الاجتهاد و التقليد في آخر مباحث الاصول، فانتظر.