أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٣١٨ - المقام الأوّل- إجزاء الإتيان بالمأمور به مطلقاً عن أمر نفسه
الغرض فلا يبقى موقع للتبديل كما إذا أمر بإهراق الماء في فمه لرفع عطشه فأهرقه بل لو لم يعلم أنّه من أي القبيل فله التبديل باحتمال أن لا يكون علّة فله إليه سبيل، و يؤيّد ذلك بل يدلّ عليه ما ورد من الرّوايات في باب إعادة من صلّى فرادى جماعة و أنّ اللَّه تعالى يختار أحبّهما إليه» (انتهى كلامه).
و ما ذكره من الرّواية إشارة إلى ما رواه أبو بصير قال قلت لأبي عبد الله ٧: «اصلّي ثمّ أدخل المسجد فتقام الصّلاة و قد صلّيت فقال: صلّ معهم يختار اللَّه أحبّهما إليه» [١].
و استدلّ القائل بعدم الجواز بما حاصله: إنّ الإتيان بالمأمور به في الخارج علّة تامّة لحصول الغرض الداعي إلى الأمر به، و الإجزاء في مثله عقلي محض لاستقلال العقل حينئذٍ بسقوط الغرض و سقوط الأمر بسقوطه بمجرّد الموافقة و إيجاد المأمور به فلا يبقى مقتضٍ للإتيان به ثانياً بوجه أصلًا، نعم هذا مبني على القول بوجوب مطلق المقدّمة، و أمّا إذا قلنا بوجوب خصوص المقدّمة الموصلة فلازمه جواز الإتيان بالمأمور به ثانياً بعنوان امتثال الأمر بالطبيعة مع عدم اختيار المولى إيّاه، لأنّ الغرض الداعي إلى الأمر باقٍ على حاله، غايته أنّه ليس له الفاعلية و المحرّكيّة بعد الإتيان بالمأمور به أوّلًا بملاحظة صلاحية المأتي به للوفاء بالغرض لا أنّه يسقط رأساً بمجرّد الإتيان به، و لازم ذلك التفكيك بين «فعلية الأمر» و «فاعليته» و جواز الإتيان بالمأمور به ثانياً، و نتيجة ذلك في فرض تعدّد الإتيان بالمأمور به هو وقوع الامتثال بخصوص ما اختاره المولى منهما لا بهما معاً و صيرورة الفرد الآخر لغواً محضاً فلا يكون من باب الامتثال بعد الامتثال [٢].
أقول: الحقّ جواز تبديل الامتثال بالامتثال وفاقاً للمحقّق الخراساني و المحقّق النائيني رحمهما الله و الدليل عليه أنّ الغرض المترتّب على الأمر يكون على نحوين: غرض يترتّب على فعل المكلّف و هو غرض ابتدائي كإتيان الماء و وضعه بين يدي المولى، و غرض نهائي يترتّب على فعل المولى و هو رفع العطش الذي يترتّب على شرب المولى الماء، و ما لم يحصل الثاني كان المحلّ باقياً لتبديل الامتثال و يقوم الامتثال الثاني مقام الامتثال الأوّل، و بعبارة اخرى: يعدّ الإتيان الأوّل امتثالًا لأنّه يوجب سقوط الأمر، و يكون الإتيان الثاني امتثالًا آخر (بدل الامتثال
[١] وسائل الشيعة: الباب ٥٤ من أبواب صلاة الجماعة، ح ١٠.
[٢] راجع نهاية الأفكار: ج ١، ص ٢٢٤- ٢٢٥، طبع جماعة المدرّسين.