أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٩٧ - الفصل الخامس هل الأصل في الواجبات النفسيّة أو الغيريّة؟ و التعيينية أو التخييريّة؟ و العينية أو الكفائيّة؟
و أمّا بالنسبة إلى التخييريّة و التعيينية فكذلك تمسّك المحقّق الخراساني (رحمه الله) بإطلاق الأمر لنفي التخييريّة و إثبات التعيينية و هو في محلّه لأنّ الواجب التخييري مقيّد بما إذا لم يأت بالبدل و إطلاق الصيغة ينفي هذا القيد.
نعم إنّه إنّما يكون تامّاً بالنسبة إلى مبنى وجوب جميع الأطراف مع سقوط وجوب كلّ من الأطراف بفعل أحدها حيث إنّه يرجع حينئذ إلى اشتراط وجوب كلّ منها بعدم الإتيان بالآخر، و الاشتراط منفيّ بإطلاق الصيغة، و أمّا بناءً على مبنى كون الواجب عنوان أحد الأفعال أو أحد الفعلين فلا، لأنّا لا نعلم من أوّل الأمر أنّ صلاة الجمعة واجب بما هي صلاة الجمعة أو بما أنّها أحد الفعلين، أو أحد الأفعال، و لا معنى للأخذ بالاطلاق هنا، نعم ظهور العنوان في الخصوصيّة أعني خصوصيّة عنوان «الجمعة» ينفي عنوان «أحدهما» و هذا غير مسألة الإطلاق و التقييد، فتدبّر فإنّه دقيق.
و أمّا بالنسبة إلى العينية و الكفائيّة فكذلك تمسّك المحقّق الخراساني (رحمه الله) بإطلاق صيغة الأمر لإثبات العينية في محلّه بناءً على مبنى من يقول في الواجب الكفائي: أنّ التكليف به متوجّه إلى عموم المكلّفين (على نحو العموم الاستغراقي) إلّا أنّ وجوبه على كلّ مشروط بترك الآخر لأنّ مقتضى إطلاق الصيغة عدم الاشتراط فيثبت كونه واجباً عينياً.
و أمّا بناءً على مبنى من يقول: بأنّ التكليف في الواجب الكفائي متوجّه إلى أحد المكلّفين أو جماعة منهم لا بعينها فلا، حيث إنّ المكلّف حينئذٍ لا يعلم من أوّل الأمر أنّ التكليف توجّه إلى نفسه أو إلى عنوان أحد المكلّفين، كما إذا دقّ الباب فأمر المولى بفتح الباب و لا يعلم العبد من أوّل الأمر أنّه هل المولى وجّه الخطاب إلى شخصه و قال «افتح أنت الباب» أو وجّه الخطاب إلى أحد العبيد لا بعينه و قال «ليفتح أحدكم الباب»، فليس في البين لفظ مشخّص حتّى ينعقد له إطلاق فيتمسّك به، نعم يجري فيه ما مرّ سابقاً في الشكّ بين التخييريّة و التعيينيّة من أنّ ظاهر توجّه الخطاب إلى شخص أو صنف خاصّ أو أخذ عنوان معيّن في لسان الدليل هو اعتباره في الحكم و لازمه هو العينية.
ثمّ إنّه قد ظهر ممّا ذكرنا أنّ لازم الإطلاق في جميع الموارد ليس هو التوسعة في الأفراد بل قد يكون لازمه التضييق و التحديد، حيث إنّ لازم التعيينية في ما نحن فيه هو تضييق الأفراد و حصرها في فرد واحد، كما أنّ لازم العينية هو توسعة أفراد المكلّفين و تعميم التكليف بالنسبة إلى جميعهم.