أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٩٦ - الفصل الخامس هل الأصل في الواجبات النفسيّة أو الغيريّة؟ و التعيينية أو التخييريّة؟ و العينية أو الكفائيّة؟
و نحن نبحث هنا بناءً على كلا المبنيين، و أمّا أيّهما هو الصحيح فسنتكلّم عنه في ذيل مبحث الأوامر عند البحث عن تقسيمات الواجب.
و أمّا الواجب العيني و الكفائي فيأتي فيه نظير ما مرّ في الواجب التعييني و التخييري و لكنّه بالنسبة إلى المكلّف لا المتعلّق، فالواجب الكفائي يحتمل أن يكون الوجوب فيه متعلّقاً بجميع المكلّفين على نحو العموم الاستغراقي مع سقوط الوجوب بإتيان من به الكفاية، و يحتمل أن يكون الوجوب فيه متعلّقاً بجامع أحد المكلّفين أو جماعة من المكلّفين.
إذا عرفت هذا فنقول: إذا شككنا في النفسيّة و الغيريّة كما إذا شككنا في أنّ غسل الجنابة مثلًا واجب نفسي أو واجب غيري، أو شككنا في التخييري و التعييني كما إذا شككنا في أنّ صلاة الجمعة في عصر الغيبة هل هي واجب تعييني أو واجب تخييري يخيّر المكلّف بينها و بين صلاة الظهر، أو شككنا في العينية و الكفائيّة كما إذا شككنا في أنّ الجهاد واجب كفائي أو عيني (و لا إشكال في أنّ الشكّ هذا من قبيل الشبهة الحكمية لا الموضوعيّة) فيقع البحث في مقامين:
الأوّل: في مقتضى الأصل اللّفظي، و الثاني: في مقتضى الأصل العملي.
أمّا المقام الأوّل: فذهب المحقّق الخراساني (رحمه الله) و جماعة إلى أنّ مقتضى إطلاق الأوامر هو النفسيّة و العينية و التعيينيّة.
و هو واضح بالنسبة إلى النفسيّة و الغيريّة، فإذا قال المولى لعبده «اغتسل للجنابة» من دون أن يقيّده بشيء فلا إشكال في أنّ ظاهره وجوب غسل الجنابة مطلقاً سواء كانت الصّلاة أيضاً واجبة أو لا؟
و بعبارة اخرى: إنّ إطلاقه يقتضي عدم تقيّد وجوب غسل الجنابة بوجوب شيء آخر، و لازمه النفسيّة.
و قد تمسّك بعض الأعلام أيضاً بإطلاق الأمر بالصّلاة من أنّ مقتضاه عدم تقيّد وجوب الصّلاة بغسل الجنابة و لازمه العقلي كون غسل الجنابة واجباً نفسياً، و إليك نصّ كلامه: «لو كان لقوله تعالى «أقيموا الصّلاة» إطلاق فمقتضاه عدم تقييد الصّلاة بالطهارة أو نحوها فالتقييد يحتاج إلى دليل و مئونة زائدة و الإطلاق ينفيه، و لازم ذلك هو أنّ وجوب الطهارة المشكوك نفسي لا غيري» [١].
[١] المحاضرات: ج ٢، ص ١٩٩.