أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٩٣ - الفصل الرابع وجوب المباشرة في الأوامر و عدمه
ثمّ إنّه لو فرض عدم كون المولى في مقام البيان أو لم يكن في البين لفظ بل كان الدليل لبّياً تصل النوبة إلى الأصل العملي، و الاحتمالات فيه ثلاثة:
١- إنّ الأصل هو البراءة و نتيجتها كفاية فعل الغير كما ذهب إليه المحقّق العراقي (رحمه الله) فإنّه قال: إنّ مقتضى الأصل العملي هو البراءة عن التكليف بالفعل المزبور حين صدوره من الغير و لو قلنا بالاحتياط في مقام الدوران المزبور هو وجود العلم الإجمالي باشتغال ذمّة المكلّف، و هذا العلم الإجمالي غير موجود في محلّ الكلام لأنّه يعلم تفصيلًا بأنّه مخاطب بهذا الفعل لخروج فعل غيره عن قدرته و اختياره، فلا يكون عدلًا لفعله في مقام التكليف ليحتمل كونه مكلّفاً تخييراً بأحد الأمرين، و بما أنّ المكلّف يعلم أنّه مخاطب بالفعل المزبور في حال ترك غيره له يشكّ بوجوبه عليه في حال إتيان الغير به يصحّ له الرجوع إلى البراءة في مقام الشكّ المذكور» [١].
٢- إنّ الأصل الاشتغال، و ذلك ببيان أنّه من قبيل دوران الأمر بين التعيين و التخيير، و الأصل فيه هو التعيين، و لازمه الاشتغال و عدم سقوط الفعل بفعل غيره.
٣- التفصيل بين ما إذا كان التكليف دائراً بين فعل نفسه و فعل غيره تبرّعاً فالحقّ حينئذٍ مع المحقّق العراقي (رحمه الله) من أنّ الأصل هو البراءة، لأنّ فعل الغير ليس عدلًا لفعل المكلّف حتّى يتصوّر التخيير و يكون المورد من قبيل دوران الأمر بين التعيين و التخيير كما مرّ، و في ما إذا كان التكليف دائراً بين فعل نفسه و الاستنابة فالأصل هو الاشتغال، حيث إنّ الاستنابة أيضاً تكون من فعل المكلّف، فيدور الأمر بين التعيين و التخيير، و الأصل فيه هو التعيين الذي لازمه الاشتغال.
أقول: الصحيح هو القول الثالث أي التفصيل، أمّا إذا كان المحتمل من قبيل الواجب التخييري فلأنّه من موارد دوران الأمر بين التعيين و التخيير بناءً على وجوب الاحتياط فيه، و أمّا إذا كان من قبيل افناء الموضوع فلأنّ الشكّ يرجع إلى الشكّ في انتفاء الموضوع و عدمه، و الأصل حينئذٍ هو استصحاب بقاء الموضوع أو الاشتغال كما لا يخفى.
[١] بدائع الأفكار: ج ١، ص ٢٤٨.