أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٩٢ - الفصل الرابع وجوب المباشرة في الأوامر و عدمه
فعل الغير فيتسبّب إليه بما يراه سبباً لصدور الفعل من الغير» (فتكون القضيّة في الفعل الذي يسقط وجوبه عنه بفعل غيره حينية لا مشروطة و لا من قبيل الجامع).
ثمّ قال: «إذا عرفت هذه المقدّمة تعرف أنّ إطلاق الخطاب يقتضي كون الوجوب مطلقاً في جميع الأحوال و أزمنة الإمكان لا أنّه قضيّة حينية أي أنّه ثابت في حين دون حين و حال دون حال، و نتيجة ذلك هو عدم سقوط الوجوب عن المكلّف و عدم حصول الغرض بفعل غيره» [١].
أقول: الحقّ أنّ فعل الغير كثيراً ما يكون في الموارد التي يسقط وجود الفعل عنه بفعل غيره من قبيل إفناء الموضوع الذي يوجب إفناء الحكم، و هذه ليست قضيّة حينية و لا مشروطة و لا تخييريّة، حيث إنّ القضيّة الحينيّة أو المشروطة تكون من قيود الحكم و لا ربط لها ببقاء الموضوع.
نعم إذا خيّر المكلّف بين أن يأتي بالفعل بنفسه أو الاستنابة فهو من قبيل الواجب التخييري، فإذا شككنا في جواز التسبيب و انتفاء الموضوع بفعل الغير أو شككنا في تعيين الفعل عليه أو التخيير بين المباشرة و الاستنابة، فالإنصاف أنّ الإطلاق يقتضي المباشرة لأنّه إذا تعلّق خطاب المولى بعبده فما لم يحصل له اليقين بإمكان التسبيب فلا يجوز له التسبيب بالغير لأنّ ظاهر الخطاب أنّ المأمور إنّما هو العبد نفسه، و من هنا يعلم أنّ تمسّك بعض بإطلاق المادّة من «أنّ مقتضى إطلاق المادّة قيام المصلحة و الغرض بها و إن صدرت من الغير و لو بتسبيب المخاطب» في غير محلّه لأنّ إطلاق المادّة يقيّد بإطلاق الهيئة، أي ظاهر توجيه الخطاب الذي يقتضي حصره في فعل المأمور يمنع عن تماميّة إطلاق المادّة.
و إن شئت قلت: ما لم يثبت انتفاء موضوع الأمر أو حصول المطلوب كانت دعوته إلى الامتثال باقية، و ما لم يثبت التخيير بين المباشرة و التسبيب كان مقتضى الإطلاق هو المباشرة، فعلى كلّ حال لا يجوز الاكتفاء بفعل الغير ما لم يقم عليه دليل.
أضف إلى ذلك أنّ القضيّة الحينية في أوامر الموالي إلى العبيد لا معنى لها، لأنّ الإهمال في مقام الثبوت غير ممكن بل أمره دائر بين الإطلاق و التقييد، و الحينية لا بدّ أن ترجع إلى الواجب المشروط، فتدبّر جيّداً.
[١] بدائع الأفكار: ج ١، ص ٢٤٧.