أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٩١ - الفصل الرابع وجوب المباشرة في الأوامر و عدمه
الفصل الرابع وجوب المباشرة في الأوامر و عدمه
إذا دار الأمر بين المباشرة و التسبيب، أي شككنا في أنّ امتثال الأمر الفلاني مشروط بالمباشرة أو يكفي التسبيب أيضاً أو يسقط الأمر حتّى بإتيان العمل تبرّعاً فما هو مقتضى الأصل اللّفظي و العملي؟
توضيح ذلك: إنّ الأفعال على ثلاثة أقسام: قسم منها لا يقبل النيابة قطعاً و لا بدّ فيه من المباشرة كالصّلاة و الصّيام في حياة المكلّف، و قسم منها يقبل النيابة و التسبيب قطعاً كأداء الدَّين بل يسقط بالأداء تبرّعاً، و قسم منها يكون الأمر فيه دائراً بين الأمرين فلا نعلم هل تكفي فيه النيابة أو التبرّع أو لا؟ كوجوب قضاء صلوات الأب الميّت على ولده الأكبر، فهل يجب عليه القضاء بالمباشرة أو يكفي التسبيب بغيره أو التبرّع من ناحية متبرّع، و نظير بعض مناسك الحجّ كالطواف و رمي الجمرات، ففي هذه الموارد ما هو مقتضى الإطلاقات و العمومات أوّلًا؟ و ما هو مقتضى الأصل العملي ثانياً؟ فيقع البحث في مقامين.
و قد تعرّض لهذه المسألة بعض الأكابر في ذيل البحث عن التعبّدي و التوصّلي و ذكر له مقدّمة، و هي «أنّ خطاب المكلّف بالفعل الذي يسقط وجوبه عنه بفعل غيره لا يكون مشروطاً بعدم فعل الغير كما توهّم، بل هو خطاب توجّه إليه في حين عدم فعل الغير كما هو شأن الواجب التخييري، كما أنّ الخطاب في مثل هذا الواجب لم يتعلّق بالجامع بين فعل المكلّف و فعل غيره كما يتعلّق به في الواجب التخييري، و ذلك لخروج فعل الغير عن قدرته و اختياره، و كما أنّ الخطاب لم يتعلّق به بنحو التخيير بينه و بين التسبيب إلى فعل غيره لأنّ الجامع الذي يحصل به الغرض ليس مشتركاً بين فعل المكلّف و بين التسبيب إلى فعل غيره بل بين فعل المكلّف و بين نفس فعل الغير، و إنّما العقل يرشد إلى المكلّف إلى ما يسقط به التكليف عنه و هو