أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٧٥ - الأمر الأوّل في تعريف التعبّدي و التوصّلي و بيان الميزان فيهما
و ثانيهما: ما لا يعدّ نفس العمل تعبّداً أو عبوديّة و إن كان قربيّاً لا يسقط أمره إلّا بقصد الطاعة كالزّكاة و الخمس، ثمّ قال: و هذان الأخيران و إن كان يعتبر فيهما قصد التقرّب لكن لا يلزم أن يكونا عبادة بالمعنى المذكور إذ كلّ فعل قربى لا ينطبق عليه عنوان العبوديّة فإطاعة الولد لوالده و الرعايا للملك لا تعدّ عبوديّة لهما بل طاعة، كما أنّ ستر العورة بقصد امتثال الأمر و انقاذ الغريق كذلك ليسا عبوديّة له تعالى بل طاعة لأمره و بعثه، و حينئذٍ يستبدل التقسيم الثنائي إلى الثلاثي فيقال: الواجب امّا توصّلي أو تقرّبي، و الأخير إمّا تعبّدي أو غير تعبّدي ...
إلى أن قال: فالأولى دفعاً للالتباس حذف عنوان التعبّديّة و إقامة التقرّب موضعها [١]. (انتهى).
أقول: قد قرّر في محلّه أنّ لبعض الأعمال القربيّة كالزّكاة و الخمس حيثيتين: حيثيّة تسمّى بحقّ اللَّه و حيثية يعبّر عنها بحقّ الناس، أمّا الحيثية الثانيّة فهو ما يوجب تعلّق حقّ الفقراء بأموال المكلّفين و هو يؤخذ منهم و لو جبراً سواء قصد القربة بذلك أو لم يقصدها، و أمّا الحيثية الاولى فهي ما يوجب تلوّن العمل بلون قربى إلهي و يجعله كسائر الواجبات التعبّديّة كتحمّل الجوع في شهر رمضان أو الهدية و الوقوف بمنى و عرفات أو السعي بين الصفا و المروة في أيّام الحجّ، فكما أنّ اشتراط قصد القربة هناك علامة لجعلها و وضعها للخضوع و العبوديّة بحيث لولاها فسد العمل كذلك هنا من دون أي فرق بينهما في هذه الجهة.
هذا بالنسبة إلى ما ذكره من مثال الخمس و الزّكاة، و أمّا بالنسبة إلى سائر ما ذكره من الأمثلة كستر العورة امتثالًا لأمر اللَّه و انقاذ الغريق، كذلك، فمن الواضح أنّه لا يفسد أمثال هذه الامور بترك قصد القربة، فلو أنقذ الغريق من دون هذا القصد فقد أتى بما وجب عليه و إن لم يستحقّ الثواب، و هذا أي عدم الاشتراط بالقربة دليل على أنّه لم يجعل عبادة في الشرع المقدّس، و بعبارة اخرى: العبادة كما ذكره القوم على قسمين: العبادة بالمعنى الأخصّ و هي ما يشترط فيه قصد القربة و بدونها تكون فاسدة، و العبادة بالمعنى الأعمّ و هي ما يؤتى بقصد القربة و إن لم يعتبر في صحّتها ذلك، فلو ترك القربة فيها لم يستحقّ الثواب و إن كان عمله صحيحاً بسبب كونه توصّلياً، و المراد من التعبّدي في المقام هو القسم الأوّل، أي ما يشترط فيه قصد القربة لا ما يؤتى بقصد القربة و إن لم يشترط بها.
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ١١١، طبع مهر.