أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٧٤ - الأمر الأوّل في تعريف التعبّدي و التوصّلي و بيان الميزان فيهما
الأوّل: ما يكون بذاته تعظيماً و تجليلًا و يعدّ خضوعاً و عبوديّة كالسجدة فإنّها تعدّ بذاتها عبوديّة و لو مع عدم قصد القربة و وقوعها في مقابل أي شخص أو أي شيء، و هي عبادة و لو وقعت في مقابل صنم من الحجر و الشجر.
الثاني: ما يكون عبادة و لكن لا بذاته و ماهيته بل باعتبار المولى و جعله كعباديّة الصّيام (التي ترجع إلى عباديّة الامساك) و الطواف و السعي في الصفا و المروة و الهرولة في موضعها و غير ذلك من أشباهها من الواجبات التعبّديّة في الشرع المقدّس، فإنّها امور وضعت للخضوع و التعظيم في مقابل المولى الحكيم فإنّه جعلها للعبادة و العبوديّة و وسيلة للتقرّب إليه، و لا إشكال في أنّ هذا القسم أيضاً يتشخّص بتشخّص العبادة و يتلوّن بلونها بالجعل و الاعتبار مع قطع النظر عن قصد القربة و التعظيم و قصد العبادة، فإنّه نظير ما يعتبر للتعظيم و يوضع للاحترام بين الملل و الأقوام، فعند بعضهم جعل رفع القلنسوة و البُرنيطة للاحترام فيعدّ وضعها إهانة و هتكاً مع أنّ عكسه يعدّ تعظيماً عندنا فيعتبر وضع العمامة مثلًا احتراماً و رفعها هتكاً، و كذلك الحال في العبادات، فالعمدة فيها الجعل و الاعتبار، نعم العبادة المطلوبة تتحقّق بقصد القربة لا بذات العبادة.
فتلخّص: أنّ الفرق بين التعبّدي و التوصّلي لا ينحصر في قصد القربة و عدمه فقط بل إنّهما تفترقان في الماهية أيضاً، فماهية العمل التعبّدي تفترق عن ماهية العمل التوصّلي، و بعبارة اخرى: أنّ للعبادة التي توجب التقرّب إلى المولى ركنين: حسن فاعلي و هو أن يكون العبد في مقام الإطاعة و التقرّب إلى المولى، و حسن فعلي و هو أن يكون ذات العمل مطلوباً للمولى.
ثمّ إنّ المقصود من التعظيم في الموالي العرفيّة إنّما هو تكريم المولى و اعظامه ليكون أكرم و أعظم عند الناس، و أمّا بالنسبة إلى الباري تعالى الكامل بالكمال المطلق و الغني الحميد بغناء لا نهاية له فالمقصود منه إنّما هو تقرّب العبد و رشده و اقتباس شيء من نوره و صفاته و لو كان كضوء الشمع في مقابل الشمس أو أقلّ من ذلك.
و في تهذيب الاصول ذكر للواجب قسماً ثالثاً، فبدّل التقسيم الثنائي إلى الثلاثي حيث قسّم ما يعتبر فيه قصد القربة إلى قسمين:
أحدهما: ما ينطبق عليه عنوان العبوديّة للَّه تعالى، بحيث يعدّ العمل منه للربّ عبوديّة له كالصّلاة و الاعتكاف و الحجّ.