أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٧٠ - الفصل الثاني الجمل الخبريّة
أنّ الدواعي حيث كانت مختلفة فتارةً يوقع المتكلم النسبة بداعي الإخبار و الحكاية، و اخرى يوقعها بداعي الطلب و الإنشاء، أي أنّ لها فردين من النسبة فلا بدّ من قيام قرينة لتعيين أحد الفردين.
و ربّما يستشهد لكونها ايقاعيّة أنّها توجب السرور أو الكراهة في نفس المخاطب فإنّه يسرّ إذا قيل له «أنت بحر عميق» و يتأذّى و ينزعج إذا قيل له «أنت فاسق جاهل» مثلًا.
و لكن قد مرّ أيضاً جوابه تفصيلًا فإنّا قلنا سابقاً أنّ الجملة الخبريّة بمبتدئها و خبرها و نسبتها أي بشراشرها تدلّ على الحكاية و الإخبار عن الخارج، و أنّ النسبة أيضاً أمر تكويني خارجي تحكي عنها النسبة الخبريّة، و ليست من الامور الاعتباريّة حتّى توجد في عالم الاعتبار فراجع.
٣- أنّها كناية عن الطلب و الإنشاء ببيان اللازم و إرادة الملزوم فإنّ المولى إذا رأى عبده مطيعاً لأوامره (إمّا من طريق أنّ العبد قدم إلى المولى للسؤال عن وظيفته و تكليفه أو من أي طريق آخر) يفترض أوّلًا امتثاله و اطاعته في الخارج و أنّه يتصدّى للعمل في الخارج بمجرّد أنّ علم بطلب المولى و إرادته، ثمّ يخبر عن امتثاله و تصدّيه كناية عن طلبه، أي يذكر اللازم و هو انبعاث العبد و حركته نحو العمل و يريد منه ملزومه و هو طلب المولى و إرادته لذلك العمل، و حينئذٍ لا فرق بين قوله «يغتسل» مثلًا في مقام الإخبار و قوله «يغتسل» في مقام الإنشاء في أنّ كلًا منهما استعمل في الإخبار و الحكاية عن الخارج، إلّا أن الأوّل يكون بداعي الإخبار حقيقة، و أمّا الثاني فهو كناية عن الطلب النفساني للعمل.
إن قلت: يلزم من هذا الدور المحال لأنّ لازمه أن يتوقّف الانبعاث على الإخبار، و يتوقّف صحّة الإخبار على الانبعاث.
قلنا: أنّه كذلك فيما إذا كان الإخبار إخباراً حقيقة بينما هو في المقام كناية عن البعث و الطلب، و المتوقّف على الانبعاث إنّما هو صحّة الإخبار الحقيقي لا ما يكون كناية عن الإنشاء.
إن قلت: إنّ لازمه الكذب كثيراً لكثرة عدم وقوع المطلوب في الخارج من العصاة، تعالى اللَّه و أولياؤه عن ذلك.
قلنا: الكذب في باب الكنايات متوقّف على عدم وجود المكنّى عنه في الخارج لا على عدم وجود المحكي للجملة الخبريّة التي استخدمت للكناية، ففي قولك «زيد كثير الرماد» (للكناية