أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣٦ - الوجه الرابع برهان الإرادة
يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ ...» [١] و قوله تعالى للحواريين بعد طلبهم نزول المائدة من السماء: «إِنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ». [٢]
الوجه الثاني: ما مرّ من المحقّق النائيني (رحمه الله) في البحث عن اتّحاد الطلب و الإرادة (و استحسنه بعض أعاظم تلامذته في هامش تقريراته و زاده توضيحاً و مثالًا و قال: ما أفاد شيخنا الاستاذ هو محض الحقّ الذي لا ريب فيه) و قد وعدنا أن نجيب عن ما يرتبط من كلامه بمبحث الجبر و الاختيار في هذا المقام.
فنقول: كان كلامه ذاك مركّباً من خمس مقدّمات:
الاولى: إنّ الإرادة عبارة عن الشوق المؤكّد، و لكن هناك أمر آخر متوسّط بين الإرادة و حركة العضلات يسمّى بالطلب، و هو عبارة عن نفس الاختيار و تأثير النفس في الحركة.
الثانيّة: إنّ النفس مؤثّرة بنفسها في حركات العضلات من غير سبب خارجي و واسطة في البين.
الثالثة: إنّ قاعدة «الشيء ما لم يجب لم يوجد» مختصّة بالأفعال غير الاختياريّة.
الرابعة: إنّ الاحتياج إلى المرجّح في وجود الفعل من ناحية فاعله (و هو النفس) إنّما هو من جهة خروج الفعل عن العبثية و إلّا فيمكن للإنسان إيجاد ما هو منافر لطبعه فضلًا عن إيجاد ما لا يشتاقه لعدم فائدة فيه.
الخامسة: إنّ المرجّح المخرج للفعل عن العبثية هي الفائدة الموجودة في نوعه، دون شخصه بداهة أنّ الهارب و الجائع يختار أحد الطريقين و أحد القرصين مع عدم وجود مرجّح في واحد بالخصوص، و يعلم من ذلك عدم وجود أمر إلزامي إجباري يوجب صدور الفعل حتّى يهدم أساس الاختيار، و أمّا الاختيار فهو فعل النفس و هي بذاتها تؤثّر في وجوده، و المرجّحات التي تلاحظها النفس إنّما هي لخروج الفعل عن كونه عبثاً لا أنّها موجبة للاختيار.
أقول: يرد على الاولى: مناقشة لفظيّة و هي أنّ الإرادة عند المشهور ليست عبارة عن مجرّد الشوق المؤكّد فحسب بل إنّما هي الشوق المؤكّد المحرّك للعضلات.
[١] سورة الأحزاب: الآية ٣٠.
[٢] سورة المائدة: الآية ١١٥.