أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٣٥ - الوجه الرابع برهان الإرادة
و قد نقل عنه (رحمه الله) أنّه عدل عن هذه المقالة بعد ذلك.
و كيف كان، يرد عليه:
أوّلًا: أنّ كلامه هذا يوجب إراديّة الفعل في مقام التسمية فحسب لا الواقع، و هو لا يوافق مذهب الاختيار و الأمر بين الأمرين حقيقة كما هو ظاهر.
ثانياً: إذا كانت الشقاوة ذاتيّة و تكون هي المنشأ الأصلي للعصيان فكيف يؤاخذ اللَّه العاصي بما هو ذاتي له؟ فهل هو إلّا ظلم فاحش (تعالى اللَّه عنه علوّاً كبيراً)؟
و أمّا ما استشهد به من الرّوايتين فالحقّ أنّ الثاني منهما (و هو قوله ٦ الناس معادن كمعادن الذهب و الفضّة) على خلاف مقصوده أدلّ، لأنّه يقول: أنّ جميع الناس معادن كمعادن الذهب و الفضّة، فهم على تفاوتهم و اختلاف درجاتهم (كتفاوت درجات معادن الذهب و الفضّة) حسن السريرة بحسب ذواتهم و سعداء بحسب فطرتهم الأوّليّة فلا شقاوة ذاتيّة لهم.
الأوّل: منهما و هو قوله ٦: «السعيد سعيد في بطن امّه و الشقي شقي في بطن امّه» فقد فسّر بتفسيرين:
أحدهما: أنّ اللَّه تبارك و تعالى يعلم أنّ المولود الفلاني يصير سعيداً أو شقيّاً. (كما في الخبر).
و ثانيهما: حمله على المقتضيات الذاتيّة، فيكون المراد منه أنّ بعض الناس أقرب إلى السعادة بحسب اقتضائه الذاتي و استعداده الفطري، و بعض آخر أقرب إلى الشقاوة كذلك من دون أن يكون هذا القرب أو البعد علّة تامّة للطاعة أو العصيان، بل الجزء الأخير هو إرادة و اختيار الإنسان نفسه.
إن قلت: هذا و إن كان يرفع الجبر و لكن أ ليس هو تبعيض قبيح عند العقل؟
قلنا: أنّه كذلك إذا كانت مجازاتهما بنسبة واحدة، مع أنّه ليس كذلك، لأنّ كلّ إنسان يجازى على عمله بملاحظة الشرائط و المساعدات الذاتيّة و العائلية و الوراثيّة و الاجتماعيّة، فيكون الميزان في الثواب و العقاب نسبة العمل مع مقدار الإمكانات و العلم و الاستعداد، فمن كانت قدرته و مكنته أكثر، ينتظر منه سعي أكثر و عمل أوفر، و من هذا الباب يقال حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين، و قوله تعالى لنساء النبي ٦: «يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ