أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٢١ - الثاني تكليف العصاة
لأمير المؤمنين علي ٧: «... لكن لتظهر الأفعال التي يستحقّ بها الثواب و العقاب» [١]) و بالنتيجة إبراز الملكات النفسانيّة في صور الأعمال لأن يستعدّ الإنسان بذلك للرشد و التكامل.
و إن شئت قلت: إنّ حقيقة الأوامر الامتحانيّة مطلقاً سواء في الخالق و المخلوق عبارة عن مجرّد إنشاءات ليست ورائها إرادة حقيقيّة، تصدر من المنشئ الآمر لاظهار الصفات النفسانيّة و السريرة الباطنية في مقام العمل بداعي كشف المجهول في امتحان المخلوق، و ظهور الأفعال و استحقاق الثواب و العقاب في امتحان الخالق، فنتعلّق الإرادة الإنشائيّة و الطلب الإنشائي هو العمل، و أمّا الإرادة الجدّية و الطلب الحقيقي فلا يتعلّقان بنفس العمل، بل بكشف المجهول (في المخلوق) و استحقاق الثواب و العقاب (في الخالق).
و من هنا يعلم أنّ الموجود في الأوامر الامتحانيّة إنّما هو الأمر الإنشائي المتّحد مع الإرادة الإنشائيّة لا الأمر الجدّي و لا الطلب الواقعي ..
الثاني: تكليف العصاة
و بيانه أنّه لا شكّ في أنّ التكاليف الإلهيّة تشمل المطيع و العاصي كما تشمل المؤمن و الكافر، كما لا شكّ في أنّ حقيقة التكليف هي طلب الفعل أو طلب الترك، فهو تبارك و تعالى طلب من العصاة أيضاً إتيان المكلّف به مع أنّه لو كان الطلب هو عين الإرادة لم يمكن عصيان العصاة لأنّ لازمه تخلّف إرادته تعالى عن مراده و هو محال كما قال في كتابه الكريم: «إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ» [٢] فلا بدّ من التفكيك بين الإرادة و الطلب، و هو المطلوب.
و الجواب عنه: أنّ للَّه تعالى إرادتين: إرادة تكوينيّة و إرادة تشريعيّة، و قد وقع الخلط بينهما هنا، فإنّ عدم إمكان تخلّف الإرادة عن المراد إنّما هو في الاولى لا الثانيّة، فإنّ الثانيّة أي الإرادة الإنشائيّة في الباري تعالى متعلّقها هو إتيان العبد العمل باختياره و بإرادته، فإنّ المفروض أنّ العبد أيضاً مختار و مريد، تارةً يريد الفعل و اخرى يريد الترك.
و بالجملة الموجود في تكاليف العصاة إنّما هو الإرادة التشريعيّة و الطلب التشريعي لا
[١] نهج البلاغة: ح ٩٣.
[٢] سورة يس: الآية ٨٢.