أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ٢٠٥ - التنبيه السادس في تعيين مبدأ المشتقّات
يكون المشتقّ مشتملًا على المبدأ، و المصدر مباين مع بقيّة المشتقّات لفظاً و معنى» [١].
و لكن يرد عليه:
أوّلًا: أنّ المراد من الأصل هو أوّل ما وضع في المشتقّات ثمّ أخذ منه الباقي، و لا يخفى أنّ اللفظ يحتاج إلى هيئة ما لا يمكن وضعه بدونها لأنّ الوضع لا محالة يتعلّق بصيغة خاصّة و تركيب خاصّ لا بحروف مقطّعة منثورة.
و ثانياً: لقائل أن يقول: أنّه لا دلالة للهيئة في المصدر على معنى خاصّ بل إنّها لمجرّد إمكان التلفّظ به، فلا تفيد الهيئة فيه معنى خاصّاً غير ما تفيده مادّته و إن كان اللازم علينا عند التكلّم به الاحتفاظ بتلك الهيئة لأنّه أمر سماعي لا يجوز التخلّف عنه، كما أنّه لا نسبة في المصدر إلى شيء (و المراد المصدر من الثلاثي).
و أمّا القول الثاني: و هو كون المبدأ الفعل ففيه: أنّه يستلزم زيادة الأصل على الفرع لأنّ في الفعل زيادة على المصدر من حيث الزمان و النسبة، لأنّ المصدر مجرّد حدث لا زمان فيه و لا نسبة، بينما الفعل واجد لكليهما.
نعم يفهم من المصدر النسبة بالدلالة الالتزاميّة، فإنّ الحدث إذا أخبر عنه يحتاج في وقوعه إلى نسبة خارجيّة، و لكن لا يكون هذا في معناه المطابقي.
و لعلّ منشأ هذا القول أنّ علّة الحاجة إلى اللّغة أوّلًا إنّما هي بيان الفعل، و الحاجة إلى بيان المصدر و الصفات ناشئة من الحاجة إلى فهم الأفعال، لأنّ الضارب مثلًا لا يكون ضارباً و لا يتّصف بهذا الوصف إلّا بعد أن صدر منه فعل الضرب، و لكن مجرّد هذا لا يكون دليلًا على كون الفعل أصلًا بعد وجود زيادات فيه ليست في المصدر.
فتبيّن و تحصّل ممّا ذكرناه أنّ المتعيّن كون المصدر هو الأصل.
و ما مرّ من أنّ للمصدر هيئة لا تكون ثابتة في سائر المشتقّات قد عرفت الجواب عنه كما عرفت الجواب عن قول القائل بأنّ في المصدر نسبة لا توجد في سائر المشتقّات (لكن هذا كلّه في المصدر الثلاثي المجرّد).
[١] أجود التقريرات: ج ١، ص ٦٠.