أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٦٦ - تنبيه هل الزمان داخل في معاني الأفعال أم لا؟
الثاني على زمان الحال و الاستقبال، و عدم دلالة الماضي في الأوّل على زمان الماضي.
إن قلت: إنّ عدم دلالة الفعل على الزمان يستلزم إمكان استعمال كلّ فعل موضع فعل آخر و هو ممّا لم يقل به أحد.
قلت: إنّ عدم إمكان استعمال كلّ فعل مكان الآخر ينشأ من وجود خصوصيّة في كلّ من الماضي و المضارع يوجب امتيازه عن غيره و ليست تلك الخصوصيّة هي الزمان بل إنّما هي خصوصيّة «التحقّق» بالنسبة إلى فعل الماضي و «الترقّب» في المضارع (بناءً على نقل بعض تلاميذه) فأنّ خصوصيّة الدلالة على التحقّق في الماضي و الترقّب في المضارع توجب امتياز أحدهما عن الآخر و عدم إمكان استعمال أحدهما مكان الآخر. (انتهى حاصل كلامه (رحمه الله).
أقول: في كلامه مواقع للنظر ...
أوّلًا: إنّا إذا تدبّرنا في معنى الماضي و المضارع وجدنا أنّه يتبادر منهما الزمان فيتبادر من «ذهب» وقوع الذهاب في زمان الماضي، و من «يذهب» وقوعه في المستقبل.
و ثانياً: (بالنسبة إلى إسناد الأفعال إلى اللَّه و إلى نفس الزمان) أنّه ينتقض بسائر الامور المختصّة بالممكنات التي تنسب إلى اللَّه كإسناد الأفراد و التذكير إليه مع أنّه لا معنى لهما بالنسبة إليه، هذا من ناحية النقض.
و أمّا من جهة الحلّ فإنّ المجاز على قسمين: قسم في مقابل الحقيقة، و قسم يكون بمعنى التجريد، و لا إشكال و لا قبح في القسم الثاني بالنسبة إلى الباري تعالى لأنّه فوق الحقيقة، فإنّ السميع مثلًا حقيقة فيمن له السمع و الاذن، و مجاز بالنسبة إلى ما لم يكن له الاذن، و أمّا بالنسبة إلى من يكون فوق المعنى الحقيقي كذات الباري فيكون تجريداً لا مجازاً بالمعنى المعروف، و إن كان مجازاً كان مجازاً فوق الحقيقة لا دونها.
و القول بأنّ مثل لفظ «السميع» وضع للمعنى الأعمّ من المادّي و المجرّد فلا يكون مجازاً في المجرّدات- نشأ من الغفلة عن حكمة الوضع حيث إنّها كانت عبارة عن رفع الحاجات العاديّة الماديّة، فوضعت الألفاظ للمعاني الماديّة ثمّ احتجنا إلى تجريدها من الخصوصيّات الماديّة بالنسبة إلى المجرّدات كذات الباري تعالى، و هذه قضيّة قياسها معها و لا ينبغي الاستيحاش منها.
هذا كلّه بالنسبة إلى استعمال الألفاظ في المجرّدات، و كذلك بالنسبة إلى استعمال الماضي