أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٦ - (١) تاريخ علم الاصول و تطوّره في سطور
المدينة و أفتِ الناس فإنّي احبّ أن يرى في شيعتي مثلك»
. [١]
فمن المقطوع أنّهم منذ العصر الأوّل كانوا يفتون بمقتضى ظواهر النصوص فيستندون إلى حجّية الظواهر بعنوان أصل قطعي، و يعتمدون في الرّوايات على أقوال الثقات (حجّية قول الثقة) و يعالجون تعارض العامّ و الخاصّ، و المطلق و المقيّد، من طريق التخصيص و التقييد، و يعملون بالمفاهيم كمفهوم الشرط و الغاية، و حين وقوع التعارض بين الظاهر و الأظهر يقدّمون الثاني على الأوّل، و يقدّمون الدليل القطعي على الظنّي و ... إلى غير ذلك من أشباهه.
هذا، و لكن كلّما اتّسع نطاق علم الفقه و ظهرت فيه فروع مستحدثة اتّسع بموازاته نطاق علم الاصول إلى يومنا هذا، حتّى صار من أوسع العلوم و أعقدها، مملوّاً من دقائق عقليّة و نقليّة، و هكذا يتّسع يوماً بعد يوم.
و من الطريف جدّاً أنّ علم اصول الفقه- كالفقه نفسه- عند أتباع أهل بيت : الوحي أكثر توسّعاً من اصول أهل السنّة إلى درجة كبيرة، و دليله واضح، حيث إنّ فقهاءهم قد سدّوا باب الاجتهاد على أنفسهم و عدّوا الفقهاء الأربعة (أئمّة المذاهب الأربعة) خاتمي المجتهدين و المستنبطين فمالت مسألة الاستنباط إلى الركود و الجمود و توقّف بالطبع قرين علم الفقه و شقيقه (علم الاصول) عن النموّ و الحركة، و لكن أتباع أهل بيت العصمة- مضافاً إلى تأكيدهم على فتح باب الاجتهاد- أفتوا باتّفاق الآراء بحرمة التقليد الابتدائي عن الميّت، و لأجل ذلك لا يزال و في كلّ عصر طائفة من علمائهم يلزمون أنفسهم بعنوان الواجب الكفائي على استنباط الأحكام الفقهيّة من منابعها الإسلاميّة و أدلّتها المعتبرة، و يقدّمونها إلى المجتمع الاسلامي، و يضعونها في متناول أيدي المسلمين، و هذا الاعتقاد- مضافاً إلى جعله مصباح الفقه أكثر إضاءة و إشراقاً ممّا كان سابقاً- أوجب ازدهار علم الاصول و نموّه يوماً بعد يوم إلى حدّ تعدّ الكتب الاصوليّة المدوّنة في سائر الفِرق الإسلاميّة بالنسبة إلى ما دوّنه علماء الشيعة كتباً إعداديّة و بدائيّة جدّاً، بل لا يمكن الإحاطة بكنه الاصول لدى الشيعة إلّا عند فحول و خبراء من أساطين الفنّ طيلة سنين متمادية.
[١] مستدرك الوسائل: ج ١٧، ص ٣١٥.