أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٥٠ - الأقوال في مسألة استعمال المشترك في أكثر من معنى
و يرد عليه:
أوّلًا: أنّ القول بكون حقيقة الاستعمال فناء اللفظ في المعنى كلام شعري لا دليل عليه، بل هي عبارة عن جعل اللفظ علامة للمعنى كما عرفت بيانه في محلّه، و أمّا قضيّة سراية القبح و الحسن فليست من جهة الفناء بل هي ناشئة من كثرة الاستعمال و حصول الانس أو المنافرة بالنسبة إلى المعنى، و لذا لا يحسّ متعلّم اللّغة الجديدة قبحاً و لا حسناً في الألفاظ لعدم حصول كثرة الاستعمال و الانس بالنسبة إليه.
ثانياً: سلّمنا كون اللفظ فانياً في المعنى لكن إنّما يستلزم المحال فيما إذا تحقّق اللحاظان في آن واحد، و أمّا ملاحظة المعنيين بلحاظين مستقلّين في آنين مختلفين قبل وقوع الاستعمال ثمّ استعمال اللفظ فيهما ثانياً فلا مانع منه و لا يلزم منه محذور و لا حاجة إلى لحاظ المعنيين في آنٍ واحد، أي لا دليل على لزوم وحدة آن اللحاظ في الاستعمال.
و ثالثاً: أنّ أدلّ دليل على إمكان شيء وقوعه، و لا ينبغي الإشكال في وقوع استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد في كلمات الفصحاء و البلغاء، كما يقال في جواب من شكا وجعاً في عينه الباكية و جفاف عينه الجارية: «أصلح اللَّه عينك» و يراد منه كلا المعنيين، بل لا يخفى لطفه و أنّه يستحسنه الطبع و الوجدان اللغوي، كما لا إشكال في أن يقول من دخل على زيد في داره و رأى جوده و سخاءه مضافاً إلى كثرة رماده: «أنت كثير الرماد» بمعنيين فيريد المعنى الحقيقي و المعنى الكنائي معاً في استعمال واحد، و كقول الشارع في مدح النبي الأعظم ٦ في شعر لطيف له:
المرتمى في الدجى و المبتلى بعمى و المشتكى ظمأً و المبتغى ديناً
يأتون سدّته من كلّ ناحية و يستفيدون من نعمائه عيناً
فاستعمل لفظ العين في معانٍ أربعة: الشمس و العين الباكية و العين الجارية و الذهب [١].
[١] و من طريف ما ينبغي ذكره في هذا المجال ما أنشده الشاعر الفارسي و قال:
«از در بخشندگى و بندهنوازى- مرغ هوا را نصيب ماهى دريا» حيث يمكن أن يراد منه خمس معانٍ مختلفة في نفس الوقت، كلّ واحد أحسن من غيره: أحدها: أن يراد كون بعض الطير نصيباً لأسماك البحر (كما نقل أنّ هناك سمكة تشبه بالسفرة المبسوطة على وجه الماء) ثانيها: أنّ بعض الأسماك يكون نصيباً لطير الهواء. ثالثها: أنّ نصيب الطير هو الهواء كما أنّ نصيب السمك هو الماء. رابعها: أنّ اللَّه جعل كليهما نصيب الإنسان. خامسها: أنّ لكلّ من الطير و السمك نصيباً و رزقاً يختصّ به- لكن الشاعر العربي استعمل لفظ العين في معانٍ أربعة، و الشاعر الفارسي استعمل مجموع الجملة في معانٍ مختلفة.