أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٣٠ - الوجه الثالث وجود روايات تلائم مذهب الصحيحي فقط
إن قلت: لما ذا لم يتمسّك بذيل أصالة الحقيقة لإثبات أنّ الموضوع له خصوص الصحيح (بعد ما علمنا أنّ المراد من الصّلاة في هذه الأخبار هو خصوص الصحيح) مع أنّها من الاصول المعتبرة اللّفظيّة؟
قلنا: إنّ أصالة الحقيقة من الاصول اللّفظيّة المراديّة تجري في خصوص ما إذا كان المراد مشكوكاً لا ما إذا علمنا بالمراد كما في المقام (حيث إنّ المفروض كون المراد هو خصوص الصحيح و الشكّ إنّما وقع في كون الاستعمال حقيقة أو مجازاً).
إن قلت: إنّ لازم وضع الصّلاة للأعمّ خروج الصّلاة الفاسدة من هذه الأخبار بالتخصيص، و لازم وضعها للصحيحة خروجها بالتخصّص، و مقتضى أصالة عدم التخصيص (أصالة العموم) خروجها بالتخصّص، و هو يستلزم كون اللفظ موضوعاً للصحيح.
قلنا: إنّ وزان أصالة العموم وزان أصالة الحقيقة في أنّها من الاصول المراديّة فيكون الجواب هو الجواب.
فظهر ممّا ذكر عدم إمكان التمسّك بهذه الرّوايات لإثبات القول بالصحيح، إلّا أن يقال: إنّ ظاهرها كون استعمال الصّلاة فيها استعمالًا حقيقيّاً و أنّ الآثار آثار لماهية الصّلاة لا لمصداق من مصاديقها لعدم وجود قيد و لا قرينة فيها بل الظاهر كون هذه الألفاظ بما لها من المعنى عند الشرع واجدة لهذه الآثار و فاقدة لتلك الموانع و هذه الدعوى ليست ببعيدة، نعم يمكن أن يستدلّ أيضاً باطّراد استعمال لفظة الصّلاة في هذه الأخبار في الصحيح، و الاطّراد من علائم الحقيقة على المختار، و لا يخفى أنّ الاطّراد في الاستعمال غير مجرّد الاستعمال.
الوجه الرابع: أنّه مقتضى حكمة الوضع، لأنّ مورد الحاجة إنّما هو المعنى الصحيح.
و أورد عليه: أنّ الفاسد أيضاً محلّ للحاجة، فإنّ الحاجة إلى الفاسد لو لم تكن أكثر من الحاجة إلى الصحيح لم تكن أقلّ منها.
أقول: الأولى في تقريب هذا الوجه هو الرجوع إلى المخترعات العرفيّة، فلا ريب أنّ المقصود في كلّ مخترع من المخترعات العرفيّة أوّلًا و بالذات هو الوصول إلى الآثار التي تترتّب عليها و الإنسان المخترع يلاحظ حين التسمية تلك الآثار و يضع اللفظ لمنشئها، و لا إشكال في أنّ منشأها إنّما هو الفرد الصحيح فيصير هو المسمّى للفظ، نعم يستعمل اللفظ بعد ذلك في