أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٢٨ - الوجه الأوّل التبادر
الماهية أو لوازمها كانت أيضاً متأخّرة عنه، فمع ذلك كيف يمكن دعوى تبادرها من لفظ الصّلاة مثلًا؟» [١].
أقول: و لكن يمكن دفعه بما اخترناه في مبحث الوضع، و هو أنّ أكثر الألفاظ المستعملة عند أهل اللّغة موضوعة للوجود (كما أنّه مقتضى حكمة الوضع) لا للماهية، و إذاً لا إشكال في تبادر المعنى إلى الذهن بتبادر الآثار، لوجود الملازمة بين الوجود و آثاره، لأنّ الآثار من لوازم الوجود، و الإنصاف أنّ الخلط بين المصطلحات الفلسفية و المفاهيم العرفيّة هو الذي أوجب هذه المفاسد الكثيرة في علم الاصول كما مرّ سابقاً.
الثانيّة: أنّ الوجدان حاكم على صحّة إطلاق الألفاظ في المركّبات الخارجيّة على بعض الأفراد الناقصة من دون وجود عناية و تسامح في البين (نظير إطلاق لفظ الإنسان على الفاقد لعضو من الأعضاء من اليد أو الرجل مثلًا) مع أنّ لازم دعوى تبادر المعنى الصحيح إلى الذهن كون هذا القبيل من الاستعمالات مجازاً.
و الجواب: واضح بناءً على مختارنا في حقيقة الوضع أيضاً، فإنّا قلنا هناك أنّ الموضوع له إنّما هو المؤثّر، للأثر و لا إشكال في أنّ الأثر قد يكون أمراً ذا مراتب، مرتبة واجدة لتمام الأثر، و مرتبة واجدة لمعظمه، و مرتبة واجدة لضعيفه و نازله، و الإطلاق حقيقي بشهادة التبادر و صحّة السلب فيما إذا كان العمل واجداً لمعظم الأثر، و مجاز في ما يكون فاقداً له، و لا يخفى أنّه كلّما كان إطلاق اللفظ على الفاقد لجزء من الأجزاء أو لشرط من الشرائط حقيقيّاً بلا عناية و مجاز كشفنا منه وجود معظم الأثر، كما أنّه لا إشكال في أنّ الأثر المترتّب على الصّلاة في ما نحن فيه من هذا القبيل أي ممّا يكون ذا مراتب عديدة، و حينئذٍ نقول: إنّ إطلاق الصّلاة على صلاة المريض مثلًا حقيقي لتحقّق معظم أثر الصّلاة بها و ذلك لحكم الشارع بصحّتها فإنّ حكمه بالصحّة في كلّ مورد يكون كاشفاً عن وجود معظم الآثار كما أنّ حكمه بالفساد كاشف عن عدم وجودها كما لا يخفى.
و بهذا تنحلّ العويصتان المذكورتان بالنسبة إلى دليل التبادر.
[١] تهذيب الاصول: ج ١، ص ٦٠، طبع مهر.