أنوار الأصول - الشيخ أحمد القدسي - الصفحة ١٠٤ - الأمر الثالث في معنى الصحّة و الفساد و إنّه ما هو المقصود منهما؟
على كيفية استعمالات الشارع فحسب نظير البحث في سائر المباحث اللّفظيّة كمبحث الأوامر و النواهي فإنّ النزاع فيها يكون في مطلق صيغة الأمر أو صيغة النهي مثلًا، من أي مولى صدرت، و لكن الغرض منه هو الحصول على كيفية دلالة صيغة الأوامر و النواهي الصادرة من ناحية الشارع.
و ثالثاً: إنّ قوله «ما ذا؟» كلمة مبهمة لا تبيّن المراد من البحث و إنّه من جهة الصحيح و الأعم أو الحقيقة و المجاز أو جهات اخرى.
فالأولى أن يقال: «إنّ ألفاظ العبادات و المعاملات و غيرهما بمقتضى الوضع الشرعي أو اللغوي أو القرينة العامّة هل هي للصحيح أو للأعمّ منه؟» فإنّه لا يرد عليه شيء ممّا ذكر كما لا يخفى.
الأمر الثاني: في أنّه لا فرق في جريان النزاع بين القول بثبوت الحقيقة الشرعيّة و عدمه
و بين أن تكون الألفاظ مجازات في المعاني الشرعيّة أو حقائق لغويّة فيها (كما قال بعض بعض) أو حقائق لغويّة في المعاني و اللغويّة كما يحكى عن الباقلاني.
و ذلك لأنّ المعنى الحقيقي أو المجازي هنا يشتمل على أجزاء و شرائط على كلّ حال و يتصوّر فيها الصحيح و الفاسد فيجري النزاع فيها حتّى على القول بأنّ الصّلاة في استعمالات الشرع مثلًا يراد منها الدعاء فإنّه لا إشكال في أنّ هذا الدعاء في هذه الاستعمالات مقيّد بقيود خاصّة فيتصوّر فيها الصحيح و الأعمّ، و الجامع للشرائط و الأجزاء أو الفاقد لبعضها.
الأمر الثالث: في معنى الصحّة و الفساد و إنّه ما هو المقصود منهما؟
و نكتفي ببيان معنى الصحّة حتّى يعرف معنى الفساد أيضاً فإنّ الأشياء تعرف بأضدادها.
و قد ذكر لها معانٍ مختلفة، فقال بعض أنّها بمعنى اسقاط الإعادة و القضاء، و هذا منسوب إلى الفقهاء، و قال بعض آخر أنّها بمعنى موافقة الأمر، و هو منسوب إلى المتكلّمين، و لا يخفى عدم تماميّة شيء منهما بل كلّ من الفقيه و المتكلّم فسّر الصحّة وفقاً لمسلكه الخاصّ، فالفقيه حيث يبحث عن الإعادة و القضاء في باب العبادات فسّرها بإسقاطها مع أنّه لا يصدق في أبواب المعاملات، و المتكلّم حيث إنّه يبحث في علم الكلام عن مسائل المعاد و عن الثواب و العقاب، و هما يترتّبان على موافقة الأمر و مخالفته، فقد فسّر الصحّة بالموافقة، و في الواقع أنّهم أخذوا بلوازم الصحة المطلوبة لهم. و المحقّق الخراساني (رحمه الله) فسّرها بالتماميّة و هو أيضاً غير تامّ لأنّه