محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٦٣ - الخطبة الأولى
من الأسباب، وما كان ينبغي لشيءٍ لابد أن يحزن الإنسان له، وإنما يجب التصبّر والانصراف بالهم عمّا هو ميؤوس منه، ولا ينبغي الهلع هنا ولا الحزن.
الحزن على شيء تستطيع أن تناله فتفرّط فيه، والآخرة هي مما يستطيع العبد أن يناله، فكلما فرّطنا فيه من الآخرة كان مورد الحزن، وكلما فاتنا من الدنيا مما ليس بمكتوب لنا تقول لنا الأحاديث لا ينبغي أن يكون مورد حزن.
يقول عليه السلام كما هو المنقول عن النهج:" فلا يكن أفضل ما نلت في نفسك من دنياك بلوغ لذّة أو شفاء غيظ، ولكن إطفاء باطل أو إحياء حق" ما سيخلّدك سعيداً؟ ما سيرفع شأنك عند الله عزّ وجل؟ ما سيعطيك السموّ في ذاتك؟ ما سيكتب لك نعيما لا يفنى؟ هو أن تطفئ باطلًا، وتحيي حقّاً.
أما أن تبلغ لذّة، أو تشفي غيظاً من غيظ الدنيا فهذا كلّه إلى ذهاب، فما يفرح له العاقل المؤمن هو أن يطفئ باطلًا أو يحيى حقاً، وليكن سرورك بما قدّمت لآخرتك من عمل خير، وأسفك على ما خلّفت من أشياء لم تستثمرها لآخرتك، وأبقيتها للدنيا لا تطلب فيها رضا الله سبحانه وتعالى، وعلى ما خلَّقت من عمل سيء يؤاخذك به الله يوم القيامة.
وليكن همّك فيما بعد الموت. تجاوز بيتك، تجاوز رصيدك المالي، تجاوز هموم الدّنيا إلى الهمّ الأكبر، همّ الآخرة. نعم لابد أن تصلح دنياك، استطراقاً لصلاح آخرتك، لا تفرّط في شيء مما يصلحك في الدنيا أو يصلح أسرتك، أو قريتك أو أمتك، ولكن كلّ ذلك بنظر الآخرة، وكل ذلك بهمّ رضوان الله سبحانه وتعالى.