محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٦ - الخطبة الأولى
إنّه التفقّه وهو كالتعلّم، يعني السعي لطلب فقه من فقه الدين، والأخذ عن طريق المجاهدة الفكرية بشيء من علم الإسلام، وإنّه التفقّه الذي يعني طلب الفهم الدقيق، والفهمِ المستقرّ، والفهم المعمّق، وإنّه ليس تفقّهاً في جنبة من جنبات الدين، كما في مساحة الأحكام الشرعية الفرعية، فالنفر ليس لهذه الجهة فحسب، إنما النفر من أجل التفقّه في الدين كلّه، وما أكثر الأبعاد المعطّلة في الإسلام والتي لم تفِ الأمة بعدُ بكل جهدها واهتمامها بتغطيتها. أبعاد في الدين لا زالت معطّلة بلا فهم، وكنوز كثر لم يأت بعدُ رفع الغطاء عنها.
تفقّه في الدين، في عقيدته، ومداليل هذه العقيدة، والمقتضيات الفكرية والنفسية والعملية لهذه العقيدة. تفقّه في أهداف الإسلام ومقاصده الكبرى. تفقّه يعطي إلمامة للمتفقّه بالهيكلية العامّة للإسلام، وبالبناء الإسلامي في أرضيّته وفوقياته. تفقّهٌ في رؤى الدين ومفاهيمه، في أخلاقيات الدين وسلوكياته. تفقّه في أحكامه الشرعية الفرعية. تفقّهٌ في الدين في نظريته الاقتصادية، والسياسية والاجتماعية وغير ذلك من النظريات. تفقّه في الدين للفهم الذي يقدمه للإنسان عن الإنسان، وللنفس البشرية عن النفس البشرية، وللكون وللحياة وللموت، وللرجل وللمرأة، ولكل صغير وكبير مما يتصل بالبناء الصحيح لحياة الإنسان، كلّ ذلك من النفقة الذي من أجله النفر والهجرة إلى مراكز الإشعاع الديني المباركة.
كاد اشتغال الأمة في الكثير ومن خلال عملية التفقّه أن ينصبّ على بُعدٍ أو بعدين وهذا لا يكفي.
لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وهؤلاء الذين يتفقّهون في الدين لا يرجعون إلى أقطارهم وبلدانهم ليقبعوا في الزوايا المظلمة، إنما هم أبناء الحياة، وأبناء الجهاد وحملة الدعوة،