محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٥٨ - الخطبة الأولى
على مستوى داخل الذّات بأن تتغير المشاعر، بأن ينعكس الاتجاه، بأن يكون الاتجاه إلى الأعلى بعد أن كان إلى الأسفل.
عند ذلك تطمئن النفس، وتخلص من قلقها، فكلّ الخوف من الله عزّ وجلّ هو خوف من سخطه سبحانه لحال سوء النفس، قبح النفس، ذهاب صفائها، لانحدار مستواها وظلمتها، وأن تقطن نيّة السوء والعمل القبيح والظلم فيها.
فإذاً فالخوف من الله عزّ وجل يصفّي الذات، ينقّي الذات، يرتفع بالذّات، يخلّص الذات من كل الشوائب، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى أجمل الجمال، وأكمل الكمال، وكل نفس تشعر بنقصها لابد أن تخاف الله عزّ وجلّ لأن الكامل لا يرضى بنقص الناقص ما وسع هذا الناقص أن ينهض بمستواه.
" الخوف جلباب العارفين" ٢.
من عرف الله عزّ وجلّ لم يبارحه الخوف، لماذا؟ من عرف الله عزّ وجل عرف جلالًا لا يحد، وكمالًا لا يُتصوّر، وعرف قدرة لا يعيش هذا العارف بدون مددها. عرف مصدر خير لا خير له من دونه، عرف من بيده نَفَسُه، من بيده نبض قلبه، من بيده شره، ولا يدفع عمن أراد به شرّاً كلّ الخلق وكيف يُخاف من غضب مَنْ هذا شأنه؟!
لو كان هناك مريض وفرضنا أنّه لا يعرف الله، ويتصور أن مصيره بيد الطبيب الذي يجري له عملية القلب، وأن الطبيب حرّ في إرادته بصورة مطلقة بحيث يملك مشاعر قلبه وتوجّهاته، وأنّ مصير هذا العبد متروك لإرادة ذلك الطبيب فكم يبلغ خوف هذا المريض من إغضاب ذلك الطبيب، وإلى أيّ مدىً يكون تعلّقه به؟ فمن عرف أن الله عزّ وجل بيده