محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٨٠ - الخطبة الأولى
ليتحَمَّلُ مالا يتحمّله أي شخص آخر من آلام هذه الدنيا، ومن شدائدها قبل تحمُّل الرسالة وبعدها، وخوض رسالته الإلهية وإنجاحها والاستقامة على مقتضاها من التكليف والمتطلبات.
والرسالة تأتي في طول نجاح الرسول في امتحانات إلهية موضوعة بحكمة.
أما قوله تعالى: لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَ قَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَ ظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ فهي فتنة الكفر في وجه الإيمان، فتنة المكر والكيد بالرسالة والرسول، وهذا مما يُمتحن به الرسل، ذلك أن الكفر يقف بكل شدّة وعنفوان في وجه الرسالة والرسول لتناقض مصلحة الرسالة ومصلحة الكفر، لتناقض العدل الذي تدعو إليه الرسالة وما يبتغيه أهل الكفر من الظلم والعدوان.
وفي قوله تبارك وتعالى: وَ الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ الفتنة هنا مفسّرة بأنها إصرار على الشر، ونشر لروح العدوانية في الناس، وإثارة الأحقاد، الفتنة هنا الاشتغال بما يمزق المجتمع، و يثير بعض المجتمع على بعض، بتركيز القيم البعيدة عن الدين والتي لا تنتهي بأي مجتمع سرت فيه إلا بحالة من الحراب والاقتتال، وحالة من العدوان والظلم و الإهتراء.
وتأتي الفتنة كما في هذا الحديث عن علي عليه السلام بمعنى العذاب، وهو ظاهر قوله تبارك وتعالى: يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ، وقوله سبحانه: ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ أي ذوقوا عذابكم.
وفي قوله سبحانه إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا الفتنة مفسّرة بأنها فتنة العذاب، فتنة الإيذاء، المطاردة، السجن، كل ألوان الأذى.