محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦٢ - الخطبة الأولى
وباختلاف الغرائز والدوافع تختلف طبيعة الصور التي تُخاطبها وتحركها وتلهبها والواردة للنفس من الخارج.
تتلقّى النفسُ صوراً ينقلها البصر، وتُخاطِب فيها ٦ قابلية الحزن فتستثيره، وأُخرى تخاطب قابلية الفرح فتنبهه، وتتلقى صوراً تُطرب، وأخرى تستدرّ عاطفة الرحمة. ومن صور الخارج الواردة على نفس عن هذا الطريق ما يغضب أو يرضي، ومنها ما يضحك، أو يبكي.
ومنها صور جنسية صارخة مستفِزّة مؤجّجة مُلهِبة لا تُبقي ماسكة من دين، أو عقل، أو أيّ قوة رادعة إلّا طغت عليها وقضت على فاعليتها ٧.
وهكذا قد تؤدّي نظرة واحدة من العين إلى الخارج بما تنقله للنفس من صورة مؤثِّرة غلَّابة إلى تحوّلٍ هائل في سلوك الإنسان، وتنقلُه نقلةً نهائية من ضفّة الخير للشّر، أو من ضفّة الشّر للخير، وتملك عليه وجوده كلّه ٨.
ومن هنا تظهر خطورة ما نختاره من صور الخارج لمخاطبة النفس ٩. والتساهلُ في استعمال نعمة البصر، والإساءة لهذه النعمة بجعلها معبراً للصور السيئة الواصلة للنفس من الخارج، المستفِزّة لدوافعها الحيوانية إلى الحدّ الذي يحكم النفس، ويأخذ بقيادِها، مهيمنة على العقل، مُعطِّلة للضمير، مُلغية للدين، ناسفة لكلّ الضوابط.
والقلوب ١٠ المعطوبة، والنفوس الموبوءة ترسل العين لتنقل لها من صور الخارج ما يزيد في فسادها.