محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٦١ - الخطبة الأولى
ويغنى تعامل العقل مع السَّاحة الخارجية للحياة برسائل يتلقّاها من الخارج، وبرسائل يبعثها هو إليه، وأفكار تُثريه، وتُوجّهه، وتُطوّره، وتضبط مساره ٤.
ينتقل الخارج بمشاهده، وحوادثه، وحركته إلى العقل صورا تنطبع في الذهن عن طريق نوافذه عليه من بصر وسمع ولمس وشمٍّ وذوق.
وللبصر دورٌ واسع جدّاً في تزويد العقل بصور عمَّا عليه الواقع الشاخص في الخارج، وواقعُ حركته.
ومن فَقَدَ حسّاً فقد فَقَدَ علماً، وفاقد البصر يفقد علماً كثيراً. والخطأ في الصور الحسيَّة التي تصل الذهن يُنتج خطأً في الفكر، ويُضلِّل الإنسان، فكان لابد من التدقيق والضبط والعناية بالصور المرسَلَة للذهن.
ومن حبس تفكيره على أمر حقير كان ناتجه الفكري حقيراً، ومن اشتغل نظرُ فكره بأمر مهم كان ناتج هذا النظر مهمّاً كذلك. ومستوى الإنسان من مستوى ناتج تفكيره؛ فصار ينبغي للإنسان ألّا يصرف طاقته الذهنية في الأمور الحقيرة، والقضايا الهامشيّة، فيخسر موهبةَ العقل الكبيرة، ويحرِم نفسه عطاءاتها الثرة العالية، ويُقزِّم بذلك وجوده، ويُهزِّل من مستواه.
وكما يُرسل الخارج إلى العقل رسائل متفاوتة في القيمة، ولو تجمَّد عند أقلّها مستوى بتفكيره لاستنزفت طاقتَه، وعطّلت دورَه الكبير، فكذلك يُخاطِب الخارج في ذات الإنسان بُعداً آخر له أهميته الكبرى في تحديد السّلوك، وهو بُعد الغرائز والدوافع والمشاعر التي تستجيب لها مواقفنا العملية في الحياة ٥.