محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٤ - الخطبة الأولى
وإذا كانت النظافة الماديّة العامة، والطهارة الشرعيّة الظاهرية ١٣ قد نالت الكثير من اهتمام الإسلام، حتّى عدّ الأخيرة عبادة من العبادات، وارتبطت بها صحة عباداته الكبرى كالصلاة والصوم والحج، فإن اهتمامه بطهارة الباطن، ونظافة القلب والنفس، ونقاء الروح أبلغ وأبلغ، ذلك لأن باطن الإنسان هو مركز نظر الإسلام، وهو الأهم حسب رؤيته في وجود هذا الكائن المتميّز بما له من روح.
والذات الإنسانية الطاهرة هي ذات نقت من كل شائبة من شوائب الشِّرك، ومن كلّ ما يحطّ من قدر الإنسان، وعيوب المعنى التي تصرِفه عن ربّه، وتُقلِّل من توجّهه إليه، وتُعيق حركته في طلب التقرّب إليه.
وما المعصوم إلا من تمّت له الطهارة بهذا المعنى فتنزّه عن كل قبيح ومعصية، وخلت ذاته من كل رجس، ومما يغضب الله.
وهي المنزلة التي أرادها تبارك من مريد لأهل البيت عليهم السلام ... إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً ١٤.
واصطفاء الله عز وجل عبداً لنبوة أو إمامة لا ينفك عن عصمة هذا العبد وطهارة ذاته.
ومريم التي اصطفاها على نساء العالمين طهَّرها واصطفاها وَ إِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ وَ طَهَّرَكِ وَ اصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ ١٥.
وإذا كانت الطهارة المعنوية على درجات فإنّ على المؤمن أن يجاهد على طريقها ما استطاع باذلًا كلّ جهد ليبلغ منها ما بلغ، وإن لم يكن على حدِّ العصمة ما يبلغه، لأنّ كل خير الإنسان، وحقّ سعادته فيما يكون له من هذه الطهارة.