محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣١ - الخطبة الأولى
إنّ من اعتاد نظافة البدن يضايقه القليل من القذارة، ولا تستريح نفسه إلا بالتخلّص منها، على خلاف من اعتاد تقذُّرَ بدنه، إذ تكون له ألفة بالقذارة، وقد يصل به الأمر إلى الأنس بها، وعدم الاكتراث أصلًا بالطهارة إن لم يكن له استيحاش منها.
هذا التفاوت في حساسية النفس من قذارة البدن، وفي استيائه منها، واستراحته لها قائمٌ عندها بالنسبة لقذارة الروح، ورجس القلب.
فالرّوح الطاهرة، والقلب الذي تغلب عليه النّظافة يُصيبُ النفسَ الأذى لو مسَّتهما شائبة من قذارة، وعارض من رجس ذنب وإن كان غير مقيم.
أمّا الروح المترجّسة بالذنوب المتراكمة، والقلب الذي أفسدته المعاصي فلا إحساس لهما بقبح الذّنب، وسوء المعصية، ولا استيحاش من نفس غمرتها القبائح من أسوأ كبيرة يمكن أن يقع فيها إنسان.
مع تراكم الذنوب، وتكدّس المعاصي لا شيء من ضمير، أو شعور طاهر، أو صوت حقّ، أو نفس لوّامة، إلا ويقع تحت سلطان من الظّلمة التي تعمّ النفس، ويُصاب بالتخدير، وتفقد البصيرة رؤيتها، ويخبو ضياء الفطرة. فلنحذر من تراكم الذنوب، فإنّه لكثيراً ما يمنع من العودة إلى الرّشد، والأوبة إلى الهدى، والرجوع إلى الصواب. والذنب يدعو إلى الذنب، والخطيئة تفتح باب الخطيئة.
ومن أراد أن يعرف أن الذنوب قبائحُ ورجسٌ وقذارة تتأذّى لها نفس الإنسان في فطرتها الأولى الصّافية، وأنّ العمل الصالح من الطاهر الذي تأنس إليه الروح، فلينظر إلى موقف النفس من أول خطيئة ترتكبها. أترتكبها بأنس وإحساس بالسّموّ وارتياح ضمير ٢،