محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٧ - الخطبة الأولى
كلٌّ منّا يُصبح وهو عبدٌ لا يمكن له أن يخرج من عبوديته، فقير حقّاً في ذاته ليس له حيلة للانسلاخ من فقره، ولا يملك وجوده ولا حياته، ولا نفعاً ولا ضرّاً لنفسه، ولا يأتيه خير، ولا يندفع عنه شر إلا بإذن ربه.
" قال عبد الله بن جعفر الطيَّار: دخلت على عمّي علي بن أبي طالب عليهما السلام صباحاً وكان مريضاً، فقلت: كيف أصبحت يا أمير المؤمنين؟ قال: يا بني كيف أصبح من يفنى ببقائه ٤، ويسقم بدوائه، ويؤتى من مأمنه؟" ٥.
الإنسان يُصبح مملوكاً لله، تجري عليه سُننه، لا يملك لأي سنّة من سنن ربّه تبديلًا ولا تحويلًا. والطريق إلى نهايته مرسوم محتوم، ويومه الأخير مكتوب مقدَّر.
وهو وإنْ ملك بمقدارٍ أن يدفع الأسباب بالأسباب ٦، وأن يُغالب العلل بمثلها، وكلّها من صنع الله، إلّا أنه لا يملك أبداً أن يتصرّف في الأقدار المحتومة، وأن يدفع عن نفسه ما قدَّر الله له أن يجري عليه، وحتَّم أن يُصيبه ٧.
" قيل له- للحسن- عليه السلام: كيف أصبحت يا ابن رسول الله صلّى الله عليه وآله؟ قال: أصبحت ولي ربٌّ فوقي، والنار أمامي، والموت يطلبني، والحساب محدق بي، وأنا مرتهن بعملي، لا أجد ما أحب ولا أدفع ما أكره، والأمور بيد غيري، فإن شاء عذّبني، وإن شاء عفا عنِّي، فأي فقير أفقر منّي؟!" ٨.
قوله عليه السلام:" ولي ربّ فوقي" فوقي وجوداً وحياة وقدرة وعزّاً وشأناً وعلماً، ولا شيءَ لي إلا منه، ولا خير لي إلّا به، ولا دافع لقدره إلا هو. فوقي حيث إنّي العبد