محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢٧ - الخطبة الأولى
كلُّ أهل مدحةٍ يقصر مدحهم عن مدحه، وكلّ العادين لنعمه يقل عدُّهم عن نعمه، وكلّ المجتهدين في أداء حقِّه لا يبلغون أداءه.
ولا يسع عبداً اشتغل بالتفكير في مظاهر قدرة الله، وآثار حكمته، وفي ما يغمر الكون والحياة مما لا يُحصى من نعمه أن يخرج عن طاعته، أو يستكبر على عبادته، وينصرف بوجهه عنه.
تقول الخطبة المائة والخامسة والثمانون من خطب أمير المؤمنين عليه السلام في النهج:" ولو فكّروا في عظيم القدرة، وجسيم النعمة، لرجعوا إلى الطريق، وخافوا عذاب الحريق، ولكن القلوب عليلة، والبصائر مدخولة" ٩.
أنوار الحقّ ساطعة، وأبواب معرفة الله مشرَّعة، وطرق طاعته سالكة، ودعوته إلى الجنّة قائمة، وشريعته واضحة ولكنّ المشكلة في القلوب التي أمرضها حبّ الدنيا، وأفسدها الإقبال المجنون على شهواتها، والبصائر المزاحمة بالهوى، المدخولة لغشوات العمى بما اجتمع من ذنب، وتراكم من معصية، وتوالى من عناد.
النِعَم الظاهرة والباطنة:
أَ لَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي الْأَرْضِ وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً ... ١٠.
نِعَم الله عزّ وجلّ على الإنسان منها ماديٌّ، ومعنويّ، ومنها ما يظهر لجيل، وما يظهر لجيل آخر يعقبه كما في بعض المعادن والمخترعات النافعة المستجدَّة، ومنها ما هو قائم في كل جيل بما فيه من ظاهر وباطن.
وما أكثر النِّعَم التي لا يراها إلا ذو لبّ وبصيرة.
في مجمع البيان: قوله تعالى: .. ظاهِرَةً وَ باطِنَةً .." في رواية الضحاك عنه- أي عن ابن عباس- قال: سألت النبيّ صلَّى الله عليه وآله عنه ١١ فقال:" يا ابن عبّاس أمَّا ما ظهر