محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٢٦ - الخطبة الأولى
لو اجتمع النّاس جميعاً على عدّ نعم الله لم يبلغوا لها عدّاً، ولم يدركوا لها إحصاء؛ فجلَّ من منعم تغرق العبد نعمُه، وتتجاوز الإحصاء آلاؤه.
بر العباد إدراكا لله سبحانه مَنْ عَلِمَ منهم بأنه لا يدركه، وكلّ معرفة بعظمة الله سبحانه هي دون حقّه، ودون العلم بالعجز عن إدراكه. ٢
وأتمُّ ما يملك العباد من معرفة بنعم الله أن يعرفوا أنهم لا يبلغون معرفتها، وأنهم لا يخرجون من التقصير عن أداء شكرها.
في الخبر:" كان عليّ بن الحسين عليهما السلام إذا قرأ هذه الآية ... وَ إِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها ... يقول عليه السلام: سبحان من لم يجعل في أحد من معرفة نعمه إلَّا المعرفة بالتقصير عن معرفتها ٣، كما لم يجعل في أحدٍ من معرفة إدراكه أكثر من العلم بأنه لا يدركه ٤، فشكر عزّ وجلّ معرفة العارفين بالتقصير عن معرفته، وجعل معرفتهم بالتقصير شكراً ٥، كما جعل علم العالمين أنّهم لا يدركونه إيماناً ..." ٦.
يدرك العاقل الحقُّ نقصَ نفسه، ومحدوديته، وأنَّ الله عز وجل فوق كلّ محدودية للكمال، وكلّ منتهى، وبذلك يعلم أنّه ليس أهلًا أن يُدركه، أو يدنوَ من معرفة كنهه، وتقدير حقّه، وإنْ ظهر له من عظمته ما يبهره، ويصعق له، وهذا هو أقصى معرفته بربّه الذي لا يُحيط شيء بحقيقته.
ونِعَمُ الدنيا على سعتها وسبوغها لا تعد شيئاً عند نعم الآخرة إذ تقول الكلمة عن أمير المؤمنين عليه السلام في بيان قدرة الله" سبحانك ما أعظم شأنك! ... وما أسبغ نعمك في الدّنيا، وما أصغرها في نِعَم الآخرة" ٧.
وكما لا يمكن أن يحصي أحد نِعَم الله، ولا يدرك كماله لا يمكن أن يبلغ مدحتَه. تقول الخطبة الأولى من نهج البلاغة:" الحمد لله الذي لا يبلغ مدحته القائلون، ولا يحصي نعماءه العادون، ولا يؤدي حقه المجتهدون" ٨.