محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٦٠٠ - الخطبة الأولى
وقد مرّ بنا أن أمر الشيطان للإنسان بالمعصية يقابله زجر الملك عنها، فلا تفرّد لصوت الشيطان بالإنسان وندائه له بالقبيح، فالنفس التي تسمع هذا الصوت يصلها صوت الملك الزاجر عن الوقوع في القبيح إلّا أن تسدّ النفس مسمعها عنه في اختيار.
وإذا ضعفت مسامعها عن سماعه بعد طول إعراض كان ذلك من تفريطها الذي تتحمل مسؤوليته.
وصوت أعوان الشيطان في الأرض، وسعي جنوده في الغواية لا يلُغي إرادة الإنسان ومسؤوليته القائمة عليها، ولذلك لا يصلح عذراً يستمسك به من سقط في حبائل مكرهم يوم القيامة، يوم يتبرأ التابع من المتبوع من أهل الضلال، والمتبوع من التابع.
... وَ لَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْ لا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَ نَحْنُ صَدَدْناكُمْ عَنِ الْهُدى بَعْدَ إِذْ جاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، وَ قالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَ النَّهارِ إِذْ تَأْمُرُونَنا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَ نَجْعَلَ لَهُ أَنْداداً وَ أَسَرُّوا النَّدامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذابَ وَ جَعَلْنَا الْأَغْلالَ فِي أَعْناقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ ١١.
يعتذِر المتّخذون أنداداً لله من المستكبرين في الدنيا يوم القيامة بمكر المستكبرين بهم ليلًا ونهاراً وتخطيطهم لإضلالهم، وأمرهم لهم بطاعتهم مما فيه معصية الله. وكلُّ هذا يُدين المستكبرين، ولكنّه لا يُعذّر المستضعفين، ولا ينجيهم عند الله، فيحقّ العذاب على من أضلّ ومن ضلّ، على من أغوى ومن غوى، على من أمر، ومن ائتمر، والمصحِّح لذلك بقاء الإرادة والاختيار.
والنّاس يلمسون الآثار المدمِّرة لحياتهم لقضية الاستكبار، وينسون أنَّ كل المتاعب والإرباكات والكوارث السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والأمنيّة والنفسيّة