محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٥٩٩ - الخطبة الأولى
وتأتي الإنسان من خارجه دعوتان: دعوة إيمان، ودعوة كفر، دعوة استقامة، ودعوة انحراف، نداءان: نداء من نداء الرّحمان، ونداء من نداء الشيطان، ويعرض عليه ظاهرُ الحياة ما فيه عِظةٌ وعبرة، وما فيه فتنة وضلال، ما يُذكّره بربّه، ونفسه، وآخرته، ومصيره، وما ينسيه كل ذلك، ويشغله بتفاهات من تفاهات دنياه، وما يصرفه عن غايته.
وقد تشتدُّ ضغوط الخارج، وتسوء تربية الإنسان، وقد يحصل إكراهٌ يمارس على بدنه، ويتهدّد راحته وأمنه وحياته إلّا أن ذلك كلّه لا يُفقِده إرادته، ولا يخرج به عن حدِّ الاختيار.
والإكراه الذي يضطر المستهدَف له لاستجابة خارجية مرخّص بها أو غير مرخص شرعاً لا يتملّكُ القلب، ولا يجبرُه على عقيدة معيّنة، ولا يسلبه ما يؤمن به ٧.
وكثيراً ما يعتذر الإنسان في تقصيره بغواية الشيطان، ودوره في الإضلال إلّا أنّه ليس في ذلك عذر للإنسان، فدور الشيطان موازَن بدور الملك الذي على خلافه، وكل مؤشر للشرّ، داعٍ إليه في حياة العبد يقابله ما يؤشّر للخير ويدعو إليه.
أخذ الشيطان على نفسه أن يُزيّن للإنسان القبيح، ويعظّم الدّنيا، ويجيدَ عرض فتنتها عليه، ويلهيه عن خيره .. بِما أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ .. ٨ وقد أُقْدِر على هذا الدور. وهذا كلُّ ما يملكه، ولا يملك أن يقود الإنسان مُرغماً مسلوب الإرادة إلى ما يريد.
دور الشيطان لا يُعطّل إرادة الإنسان إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ ... ٩.
وهذا ما يحتجُّ به الشيطان على أوليائه يوم القيامة وهو يتبرأ من شركهم وَ قالَ الشَّيْطانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَ وَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَ ما كانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَ لُومُوا أَنْفُسَكُمْ ما أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَ ما أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِما أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ ... ١٠.