محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤٦٤ - الخطبة الثانية
ولكن المحسن يبقى مستمراً في إحسانه لما يفرضه الإحسان من اطمئنان عند العقلاء بمن أحسنت إليه، وعدم توقُّع الإساءة منه لانتفاء السبب المعقول إلا مِنْ خبث نفس خاص يعاني منه من يقابل الإحسان بالإساءة، حتى ليتفاجأ المحسن وكلّ الآخرين حين تأتي الإساءة من شخص لآخر أحسن إليه، ويكون هذا الأمرُ مثلًا في السوء، والانحدار عن الخلق الكريم.
أمّا على مستوى الشعوب والحكومات فيندر ذلك ندرة تكاد تُلحقه بالمستحيل، فلا يمكن عادة أن يفقد شعب في غالبيته ضميره وخلقه ورؤيته ويتعامل مع صدق الحكم وإخلاصه وتفانيه في صالح الشعب، وعفّة يده التعامل مع الإساءة، ويعاقبه على إحسانه وتعاونه.
إنّه لا يفقد حكم ثقته بشعبه إلَّا من ظلم شديد مارسه في حقّ هذا الشعب.
والخطأ كلّ الخطأ أنه بدل التراجع عن هذا الظُّلم، والأخذ بالعدل، وتصحيح الوضع لبناء الثقة من جديد، وترميم الأوضاع النفسية، وتدارك الخطأ يُعمَد إلى مزيد من الظلم والعَسْفِ، والإمعان في إيقاد الفتنة، وأذى الشعب وتهميشه، والإصرار على الاستبداد والإذلال، وتبعية الأغنام لرُعاتها مما يعلم من الشعوب كلّها اليوم الوقوف في وجهه بأيّ ثمن كان ومهما كلّفها ذلك ١٥.
لا حكم اليوم يريد لنفسه البقاء، وأن ينال ثقة شعبه أو سكوته عليه على الأقل يسعه أن يتعامل التعامل الجافي القاسي مع الشعب، ويدوس كرامته، ويتجاهل حقّه في تقرير مصيره، ويدير ظهره لمصالحه، ويتنكّر لحريته. صار من الضروري لاستقرار أي حكم،