محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٥٣ - الخطبة الأولى
ولما عليه المجتمع من إيمان وفِسق، وصلاح وفساد، وتقوى وفجور، وفقه وجهالة كان ينبغي أن يُراعى ذلك كله في الأخذ بحسن الظن، أو سوء الظن في التعامل مع الآخرين، ودرجة الترسُّل والاحتراس في بناء العلاقات وترتيب آثارها.
فمع بُعد المجتمعات عن قيم الدين، وخُلُق التقوى، وانشدادها إلى الدنيا وقيمها، لابد أن يشتدَّ الانتباه، ويزيدَ الاحتراس في إقامة العلاقات ومقتضياتها، على خلاف ما لو سادت روح الإيمان، والتقوى، والخشيةُ من الله، وغلب على النّاس العمل الصالح، فإن جوّ الطمأنينة العامّة لابد أن يكون ذا أثر بيّن على مشاعر الأفراد.
ونقرأ هذا المعنى عن أكثر من إمام من الأئمة المعصومين عليهم السلام.
عن علي عليه السلام:" إذا استولى الصلاحُ على الزمان وأهله ثم أساء رجل الظن برجل لم تظهر منه حوبة ٩ فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على الزمان وأهله فأحسن رجل الظن برجل فقد غرَّر" ١٠ أي أوقع نفسه في الغرر والخطر.
الإمام الكاظم عليه السلام:" إذا كان الجور أغلب من الحقّ لم يحِلَّ لأحد أن يظن بأحد خيراً حتّى يعرف ذلك منه" ١١.
الإمام الصادق عليه السلام:" إذا كان الزّمان زمانَ جور، وأهلُه أهل غدر فالطمأنينة إلى كل أحد عجز" ١٢.
في زمن يغلب فيه الجور، ويكون المتّبع فيه الباطل ظنُّ الخير الذي لا يقوم على معرفة وافية، وتجربة كافية فيه تضييع، وتعريض في موارد مخصوصة لإضرار الدّين، وأذى المؤمنين، وسحق الحقّ، ومساعدةٌ للباطل. وإذا وقع مقدِّمة لمثل هذا لم يحِلّ.
والطمأنينة إلى كل أحد في زمنٍ يكثر فيه الجور، ويتفشّى الغَدْر قصورُ رأي، وعمى بصيرة، وعجزٌ في قراءة الواقع، وفهمِ النّاس.