محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٤ - الخطبة الأولى
شهرٌ تنشط فيه روح المقاومة لكلِّ عوامل الضّعف في النّفس من داخلها، وتتمرّد فيه قوّة الرّوح حتّى على ضرورات البدن، وشهواته المتسعِّرة، وأشدّ جواذب الأرض التي تحاول تعطيل حركتها الصاعدة إلى الله العليّ العظيم.
شهرٌ يشفّ فيه القلب ويتطهّر بألوانٍ متعدّدة من العبادة التوحيدية العالية مركّزة مكثّفة، تنفتح به على الله سبحانه ليتخلّص من الهموم الصغيرة، والأهداف الدونية، والغايات الساقطة، ويزهد في كل ما لا يوصله لله، ويقبح عنده كلٌ جميل موهوم لا يلتقي ورضاه.
وليس من جميلٍ أبداً في ما لا يلتقي ورضى الخالق. كلُّ ما لا يلتقي ورضى الكامل قبيح خسيس، ساقط، مُسقِط.
عن الصوم- وأهمُّ الصّوم هذا الشّهر الفضيل- يقول الكتاب الكريم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ١ فالصّوم سبيلٌ للتقوى، ومُفضٍ لها، والتقوى هي استقامةُ الذّات على طريق الله، وتقديمه على كلِّ من سواه في جميع الأمور. ولا تبقى إنسانيّة الإنسان، ولا تظهرُ في حياته، ولا يَسلَم قلبٌ، ولا يطهر ضمير، ولا تصحو روح، ولا تصحُّ إرادة، ولا تستقيمُ نفس، ولا تطمئنُّ حياة، ولا ينصلح مجتمع كما يكون كلُّ ذلك في ظلّ التقوى القائمةِ على معرفة الله، ودينه الصِّدْق معرفةً لا زيف فيها. وأبلغ ما يُحقِّق ذلك معرفة الله عزّ وجلّ المعرفة التي نالها أنبياؤه ورسله، والأئمّة الذين اصطفاهم من المخلَصين من عباده ٢.