محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٣٢٨ - الخطبة الأولى
ويزخر الكتاب الكريم والسنة الشريفة بالنصوص في واجب الشكر لله سبحانه، وبيان ما عليه أكثر الناس من التخلُّف عن هذا الواجب، وهو تخلّفٌ يفضح الوجدان المتبلِّد لصاحبه، والضميرَ الميّت الذي يحمله، والسّقوط الأخلاقي الذي يُعاني منه.
ومن ذَكَرَ الله منّا فذكره قليل، ومن شَكَرَه فشكره ضئيل. والبالغون في الشكر لا يبلغون حقَّ الله العظيم؛ وكلّ شكر له سبحانه يستوجب الشكر لأنه نعمة من نِعَمِه.
وقد أمر الله تبارك وتعالى عباده بذكره وشكره: فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَ اشْكُرُوا لِي وَ لا تَكْفُرُونِ ٢.
ولا خير في نفسٍ تعيش الغفلة عن الله، فليس لها إلا الضلالُ والتيه والسقوط، ولا دليل لها إلا الشيطان، ولا قائد لها إلا الهوى، ولا غاية تنتظرها إلا النّار.
ونفسٌ لا تشكر ربها نفسٌ لا جمال فيها، ولا شمَّةٌ من خُلُقٍ كريم.
كفرٌ بالنِّعم، وجحدٌ بالحقِّ، وإنكار للجميل، وطمسٌ للحقيقة أن تغفُلَ النفس عن ذكر ربّها، وألَّا تشكر أفضاله ونعمه.
وقد يكون من الحيوان ما يشعر بلونٍ من الامتنان لِمُكرِمه، ويُعبّر عن ذلك بلون من التعبير كما في القطِّ والكلب، وعندئذ يكون مُنكر النعمة من النّاس من أحطِّ البهائم في عدم الإحساس بالجميل، وأخسِّها ضلالة بل يكون أضلّ سبيلًا.
الإمام زين العابدين عليه السلام:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَوْ حَبَسَ عَنْ عِبَادِهِ مَعْرِفَةَ حَمْدِهِ عَلَى مَا أَبْلَاهُمْ مِنْ مِنَنِهِ الْمُتَتَابِعَةِ، وَأَسْبَغَ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعَمِهِ الْمُتَظَاهِرَةِ، لَتَصَرَّفُوا فِي مِنَنِهِ فَلَمْ يَحْمَدُوهُ، وَ تَوَسَّعُوا فِي رِزْقِهِ فَلَمْ يَشْكُرُوهُ. وَ لَوْ كَانُوا كَذَلِكَ لَخَرَجُوا مِنْ حُدُودِ الْإِنْسَانِيَّةِ إِلَى حَدِّ الْبَهِيمِيَّةِ فَكَانُوا كَمَا وَصَفَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ٣" ٤.