محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٥ - الخطبة الأولى
أما بعد أيها الأخوة المؤمنون والمؤمنات:
فإنّما يعبد الإنسانُ الله سبحانه وتعالى بقلبه، أما الجوارح فدورها الاستجابة لعبادة القلب فيما تظهره من خضوعه وذُلِّه بين يدي ربّه العليّ العظيم.
القلب هو المتقرّب إلى الله بحبّه له، وخوفه منه، ورجائه فيه، وشوقه إليه. وهو الذي يطهر وينقى، ويزكو بعبادة ربّه، ويزهر بنور من عطاء الله يجعله أقربَ إليه، وأكثر تأهُّلًا لتلقّي فيوضات رحمته، وتباعداً من سخطه وعقوبته.
صدق العبادة بمقدار المعرفة لعظمة الربّ، وإدراك العقل لجليل حقّه، وتعاليه، وغناه عن خشوع الخاشعين، وعبادة العابدين، ويقينه بحاجة كلّ عابد لعبادة الله، وكل متذلّل للتذلُّل بين يديه، وبمقدار ما يعيشه القلب من شعور الذُّل للعبد، والعزِّ للربّ، وفقر العابد وغنى المعبود، ومقهورية المخلوق وقاهرية الخالق.
ومن غاب عقله، أو سبت قلبه عن ذلك الوعي والشعور فما عبادته بعبادة.
وكلّما عظم الصدق في العبادة عظمت درجة قرب العبد من ربّه بفضل فيضه سبحانه على العبد. وهو قرب معرفة أصحَّ بالله، ويقين أثبت، واطمئنانٍ للرحمة الإلهية الواسعة بدرجة أكبر، وتزيُّنٍ للذّات بصفات كمالية أقوى وأوضح ١.
والعبادة التي تُعطي القرب إلى الله سبحانه إذا كانت عن معرفة وصدق وإخلاص قد تكون صلاة، وصياماً وحجّاً وزكاة، وقد تكون جهاداً، وإصلاحاً، وإعماراً للحياة، وعدلًا، وإنصافاً بين النّاس، وإذعاناً للحقّ في أي مورد من موارده، ونصرة للمستضعفين، وتواضعاً