محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٤٧ - الخطبة الأولى
والوصول إلى الله .. إلى معرفته، إلى رضاه، إلى إكرامه، إلى الأُنس به مع عفوه ورحمته ولطفه بعبده يحتاج إلى جهاد ٩ وصبر، وتحمُّل ومواجهة لضعف النفس، وضغط الهوى، وسخف الشهوات، ووسوسة الشيطان، والميلِ الذي قد يعتري النفس للضِّعة؛ ذلك لأن الله تبارك وتعالى عظيمٌ لا يجوز أن يكون عظيم مثله، جليل لا يلحق جلالٌ جلاله، جميل لا يبلغ جمالٌ جمالَه، كامل لا حدّ لكماله. ولأن العبد لا يمكن أن يدرك حكمة كلِّ ما عن الربّ، أو يصل إلى سرّ قضائه وقدره وجميع ما يجريه من أمر في خلقه تكويناً وتشريعاً.
ومن جدَّ في إرادة الوصول إلى الله عزّ وجلّ، والقرب إليه كان الله عونه وأخذ بيده، وفتح له السبل، وأزال العوائق، وأقبل عليه بأشدّ مما كان إقبال العبد عليه.
عن رسول الله صلّى الله عليه وآله:" يقول الله ... من اقترب إليّ شبراً اقتربت إليه ذراعاً، ومن اقترب إليّ ذِراعاً اقتربت إليه باعاً، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة" ١٠.
والله أعلى وأجلّ من هذا النوع من الاقتراب، ولكنّه التمثيل التجسيدي الذي يُقرِّب الصورة المعنوية في ثوب حسّي مألوف.
وتقول الكلمة عن علي عليه السلام لنا بأن نتقرَّب إلى الله بأن نسأله سؤال إقرار بفقرنا وغناه، وحاجتنا وكرمه، وأن نتقرّب إلى النّاس بترك سؤالهم، فكلّما تعفّف المرء عمّا في أيدي النّاس، وتنزّه عن مسألتهم كلّما أمنوا منه على دنياهم، واطمأنت منهم إليه النفس. عنه عليه السلام:" التَّقَرُّبُ إلَى اللّهِ تَعالى بِمَسْئَلَتِهِ، وَإلَى النّاسِ بِتَرْكِها" ١١.
والطالبون التقرّبَ من الله سبحانه قد يكون تقرّبهم إليه بفعل الخير والقيام بالأعمال الصالحة، وقد يكون تقرُّبهم إليه بمعرفة عظمته وجليل حقّه، وفقرهم وغناه، ونقصهم