محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٣٠ - الخطبة الأولى
وأين إنسان يأنس بالقذارة من إنسان يتنزّه عنها، ولا تراه إلّا نظيفاً، وفي حسن منظر وطهارة؟!
وهناك نجاستان: بدنيَّة وروحيّة، وطهارتان مكانهما.
ونجاسة البدن وقذارته حسّية يمكن أن تُرى بالعين، وتُلمس باليد، وتُشمّ بالأنف، وضررها عليه في الأكثر.
ونجاسة الروح معنويّة لا تراها إلا البصيرة، وإنما ينفر منها الضمير، وهي مفسدةٌ لجوِّ الروح، ومن بعد ذلك يسري فسادها إلى كلّ أجواء الحياة، وتتضرّر بها كلّ أوضاعها. فالرّوح الخبيثة لا تنتج إلا قولًا سيّئاً، وعملًا طالحاً، ولا تُعقب في البرّ والبحر إلَّا الفساد ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ ... ١.
والقذارة المادّية إذا طغت وتجاوز إيذاؤها حدّ التحمّل قتلت، وأنهت حياة بدن الإنسان، وقليلها قد لا يؤثّر.
أما القذارة المعنويّة فقليلها مفسد، وكثيرها مهلك لجانب الروح، مذهب لإنسانية الإنسان، محدث لتصفيات جسدية هائلة في النّاس، وحروب واسعة طاحنة تحصد الملايين، ومسبّب لألوان من المآسي والعذابات في الأرض.
وكما يتفاوت النّاس نظافة وقذارة في الأبدان، تجدهم يتفاوتون فيها من حيث القلوب؛ فمن الناس من لا يأبه لما هو عليه من قذارة روح أو بدن، ومنهم من يكون شديد النفور من كلّ قذارة.