محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٦ - الخطبة الأولى
فكيف يعدل من لم يغلب حُبَّه وكرهَه إذا كان محبوبُه لا يُحقّقه إلا الانتصار للظالم، وكان مكروهُه في الانتصار للمظلوم؟!
وتثبيتاً لهذا الوعي، وتركيزاً له تقول الفقرةُ الآتية من كتابه عليه السلام:" أنصف الله، وأنصف النّاس من نفسك، ومن خاصّة أهلك، ومن لك فيه هوى من رعيتك؛ فإنك إلّا تفعلْ تظلم" ٣.
والكلمة لها بُعدان: الأول أنَّ من لم يعرف حقّ الله تبارك وتعالى، ويُقاض نفسه به، ولا يعطها فرصة لأن تخرج عليه، وهانت عليه مخالفة خالقه ورازقه ومالكه ومدبّره هان عليه أن يدخل في ظلم الآخرين ويستسلم لنزعة الظلم، ويُسرفَ فيه في انقياد غبيّ لها.
أمّا من أنصف الله عزّ وجلّ من نفسه، وألزمها بأداء حقّه، وشُكر نعمه فقد أعدّها لقبول إنصاف النّاس منها، وإخضاعها للعدل فيما بينه وبين العباد.
وَلِكَون المنطلق لإنصاف الإنسان غيرَه من النّاس من نفسه هو إنصافُه لربّه سبحانه منها كان لابد في الحاكم بما يتاح له من قدرة كبيرة، وفرص واسعة للعدل والظلم في شعب كامل، أو أمة واسعة أن يكون مؤمناً صادق الإيمان، تقيّاً شديد التقوى، عارفاً بحقّ الله حقّ المعرفة، راجياً للآخرة، طامعاً فيها، زاهداً في الدُّنيا مُستعليّاً عليها ليعطيَ الله عز وجل الحقّ من نفسه، وليعطي الآخرين حقّهم منها، ولِيُقيم القسط في النّاس، ويعدل فيما بينهم.
البعد الثاني للكلمة الهادية أنَّ الحاكم الذي لا ينصف الله عز وجل والنّاسَ من نفسه بالدرجة الأولى، وبالخاصّة من أهله من أبٍ، وولدٍ، وزوجٍ، وأخٍ، وابن عمّ وابن خال، ولا