محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٤٥ - الخطبة الأولى
الإنصاف والحكم:
هذا هو العنوان الفرعي الذي دخل فيه حديث الأسبوع السابق في خاتمته، ويعود إليه الحديث الآن تتمّة له.
عن أمير المؤمنين عليه السلام من كتابه للأشتر:" وشُحَّ بنفسك عما لا يحلُّ لك، فإن الشحَّ بالنفس الإنصافُ منها فيما أحبَّتْ وكرهت" ٢.
نفس الحاكم تحب وتكره، شأنُه شأن المحكوم.
والنفس غير المعصومة يأتي عليها أن تكره حقّاً، وتُحبّ باطلًا، وأن ينطلق حبّها من هوى، وكرهُها من جهالة، وتندفع مع العواطف الاندفاعة المجنونة التي تُعطي من غير حقّ ولا حساب، وتمنع من غير حقّ ولا حساب، وتقتل بريئاً، وتُبرّئ قاتلًا مجرماً.
والنفس المأسورة لهواها لا تَعِفّ عن شيءٍ يُحقّق لها المشتهى، ولا تنظر في ما اشتهت أنه من حلال أو حرام، ومن طيّب أو خبيث.
ومن هنا يأتي أمر علي عليه السلام لمالك الأشتر وقد ولَّاهُ الشأن السياسي العامَّ في مصر- الأمر الذي لا يستقيم إلا بالعدل والإنصاف- أن يرى لنفسه وزناً لا يُهدَر بطلب الحرام، ويربأ بها عما فيه انحطاطها من أيّ ظلم، وأيّ باطل.
ولا تُؤمَنُ نفس من الظلم في الحكم بين النّاس حتى تُنصفهم من نفسها، فلا تأخذ بشيء مما تُحبّ، ولا تدعَ شيئاً مما تكره، مما في الأخذ به، أو إهماله ظلمٌ للعباد.
وتطبيق العدالة على النفس هو المنطلق الصادق لتطبيقها في الحكم بين الآخرين.