دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٠٦ - و لكن جميع هذه الوجوه ممنوعة
و لا يذهب عليك (١) أن استقلال العقل بالتخيير إنما هو فيما لا يحتمل الترجيح في أحدهما على التعيين (٢)، ...
في المقام، و هو دوران الأمر بين المحذورين، يعني: لا وجه لتخصيص مورد الوجوه الخمسة بالتوصليين. و المراد ببعض الوجوه هو: الأول و الخامس، و ضمير «بهما» راجع على التوصليين، فلا يجري بعض الوجوه في التعبديين؛ لوجود المانع و هو المخالفة العملية.
(١) مقصود المصنف من هذا الكلام هو: بيان أن ما تقدم من التخيير العقلي في هذا البحث ليس مطلقا و في جميع الموارد؛ بل مقيد بما إذا لم يكن- و لو احتمالا- مزية لأحد الاحتمالين ترجحه على الآخر، و معها لا استقلال للعقل بالتخيير، فهنا بحثان أحدهما: كبروي، و هو عدم استقلال العقل بالحكم بالتخيير فيما إذا كان لأحد الاحتمالين مزية على الآخر، بل يستقل بتعينه- و قوله: «أن استقلال العقل بالتخيير» إشارة إلى هذا البحث الكبروي. و الآخر صغروي، و هو بيان ما هو المناط في المزية التي يوجب وجودها- و لو احتمالا- عدم استقلال العقل بالحكم بالتخيير.
أما الأول: فملخص ما أفاده فيه هو: عدم استقلال العقل بالتخيير مع وجود رجحان أو احتماله في الفعل أو الترك يقتضي أهميته من الآخر، فإن احتمال الأهمية أيضا يوجب حكم العقل بتقديم واجد هذه الأهمية المحتملة على فاقدها؛ لكونه حينئذ: من صغريات التعيين و التخيير؛ كحكمه بتعين تقليد الأفضل لحجية قوله تعيينا أو تخييرا، و الشك في حجية قول غير الأفضل عند المخالفة، و كحكمه بلزوم إنقاذ الغريق المتوقف على التصرف في مال الغير بدون إذنه؛ لأهمية وجوب حفظ النفس من حرمة الغصب، و هكذا.
و بالجملة: فحكم العقل بتقديم الأهم معلوما أو محتملا مما لا ينبغي الارتياب فيه.
و الذي يظهر من العبارة: أن المصنف قاس دوران الأمر بين المحذورين- في تقديم محتمل الأهمية أو معلومها- تارة: بدوران الأمر بين التعيين و التخيير؛ كما في مسألة تقليد الأفضل، و أخرى: بتزاحم الواجبين كما في إنقاذ أحد الغريقين المحتمل أهميته، و سننبه على عبارته التي يستفاد منها هذان القياسان؛ كما في «منتهى الدراية، ج ٥، ص ٦١٠».
(٢) قيد ل «أحدهما» يعني: في أحدهما المعين. و وجه التقييد به واضح؛ إذ لا عبرة باحتمال الترجيح في أحدهما لا على التعيين، فإن العقل يستقل بالتخيير فيه، كما يستقل به فيما لا يحتمل الترجيح في أحدهما أصلا كما تقدم توضيحه.